حبس العالم أنفاسه لأسبوع، عندما جنحت السفينة العملاقة “إيفر جيفن” لتُوقِف “قناة السويس”- أهم ممر مائي بالعالم- عن العمل.
تبارى الخبراء في اقتراح حلول لهذه المشكلة التي أضرت الاقتصاد العالمي ضررًا بالغًا، فسألوا أطفالًا بأحد البرامج عن تصورهم للحل، فأجابت طفلة بعفوية وبساطة: “الحل في شد السفينة بالحبل” فالوا لها: ليس بمقدور شخص واحد أن يسحب هذه السفينة العملاقة، فردت بسرعة: “مليون شخص يقومون بشد الحبل”.
طفلة صغيرة تعي مفهوم “العمل الجماعي”، وكيف يتعاون الجميع وبفريق متكامل ومتفاهم لإنجاز الأعمال والمشروعات العظيمة وحل المشكلات الكبيرة؛ وهو ما حدث بالفعل، فبعزيمة وإصرار وتخطيط “فريق” من المصريين المخلصين وسفينة هولندية تم تعويم وتحريك السفينة- “الجبل”- العالقة بقناة السويس، والبالغ طولها 400 متر وعرضها 60 مترًا وحمولتها أكثر من 20 ألف حاوية تزن 220 طنًا، فكان “الحبل” هو الحل كما اقترحت الطفلة، ولكن من خلال ثماني قاطرات عملاقة تابعة لهيئة قناة السويس، أبرزها القاطرة “بركة 1” بقوة شد 160 طنًا، وقاطرة هولندية بقوة شد 285 طنًا.
وإذا كانت كلمة “حبل” تبدو بسيطة، لكنه نجح في شد السفينة، تمامًا كما مثل كلمة “فأس” التي تبدو أيضًا بسيطة، لكن من خلاله تم حفر هذا المجرى المائي العملاق يدويًا منذ 162 عامًا، عندما قام فريق من مليون شخص من الأجداد عام 1859 ولعشر سنوات متصلة، بأيدٍ عارية وفؤوس بسيطة بحفر 163 كم بعرض 190 مترًا وعمق 10 أمتار حينها، واستخرجوا 74 مليون متر مكعب من الرمال، فمات منهم أكثر من 125 ألف سواء من العطش أو من الأمراض والأوبئة.
وفي كل الأحوال، فإن وراء كل مشروع ناجح فريقًا ناجحًا؛ لذا أفردت فصلًا كاملًا بعنوان “بناء وتحفيز فريق العمل” في كتابي “ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة”، الذي أُدرسه لطلاب الهندسة منذ سنوات؛ لإيماني بأن العمل بروح الفريق أحد أسرار نجاح المنشآت، وأن عملية بناء الفريق تخلق منه وحدة متجانسة، متماسكة، متفاعلة، وتُحسِّن علاقات أعضاء الفريق ببعضهم البعض.
واحد زائد واحد لا يساوي اثنان، بل ثلاثة أو أربعة أو أكثر بمفهوم الفريق؛ أي إنَّ تعاون الفريق وتكامل أدوار أعضائه، هو المخرج.
أما بالنسبة لقائد الفريق، فهو المسئول عن تحقيق التنسيق والتكامل والتفاعل بين أعضاء الفريق، فيجب أن يكون بينه وبين الأعضاء قدر كبير من الثقة والاحترام والتعاون، وأن يكون مقتنعًا بأهداف الفريق مخلصًا في تحقيقها، وأن تتوفر فيه شخصية ناضجة، وخبرة عملية، لتسهيل مهمتهم وتوجيههم وتعليمهم، وترسيخ القيم، وتقديم النصح والمشورة.
ولتكوين فريق عمل ناجح يقود منشأتك للقمة، حدد أولًا كم شخصًا تحتاجه للعمل معك، وحدد دور كل منهم بدقة، واختر أشخاصًا يؤمنون بفكرتك التي تعمل على تجسيدها، ودع العواطف جانبًا، فقد توظف صديقًا لك، لحبك له أو رغبتك في تحسين وضعه؛ فتكون النتيجة انهيار الفريق أو حدوث حالة من الكراهية عندما تُذكِّره بأنك من أدخلته لفريق العمل مجاملة منك.
نمِّ القدرة على التواصل وتبادل الآراء والنقاش بكل ود مع أعضاء الفريق، بعيدًا عن السعي لإقصاء الآخر.
تحتاج في فريقك إلى موهوبين في عملهم، قادرين على الإبداع ولديهم خيال واسع أو أفكار جنونية تنافس بها. اختر أفرادًا لا يتوقفون عن تطوير أنفسهم حتى خارج إطار العمل وأثناء أوقات فراغهم. وفي ظل ضغوط العمل، أنت بحاجة لفريق قادر على العمل بجدية وارتياح رغم هذه الضغوط. تعامل بشكل جيد مع كل عضو في الفريق، وانظر إليهم كأفراد عائلتك، واترك لكل عضو مساحة للحرية والإبداع، وتحمل المسؤولية، وشجع فريقك واستمع إليه جيدًا، ورحب باقتراحاتهم، وكن منفتحًا على آرائهم وخذها على محمل الجد.
أخيرًا، فإن للشكر والتقدير قوة روحية ونفسية كبيرة، فاشكر كل فرد بعد الانتهاء من مهمته أو في نهاية اليوم، ولا تغفل عندما يحقق فريق العمل قفزة نوعية وتزداد الأرباح، عن مكافأتهم ماديًا أو معنويًا؛ فهذا يمنحهم الأمل في المستقبل، ويقوي ولاءهم، وربما لن يفكروا في الانتقال لمنشأة منافسة.
لقد استمعت واستمتعت برأي الدكتور أحمد زويل عندما سألوه كيف تعرف العلماء عن دونهم؟، فأجاب: “إذا كرر الشخص كلمة “أنا” فهو ليس بعالِم، وإذا كرر كلمة “نحن” فهو عالِم حقيقي، فالعمل الناجح ثمرة فريق وليس ثمرة شخص واحد”.
اقرأ أيضًا:
ريادة الأعمال في المملكة.. طموح وتحديات
رؤية 2030 أشعلت الشغف والإبداع


