اتخذت شركة سينوبسيس خطوة إستراتيجية تعكس هذا التوجه، بعدما قررت إيقاف عدد من برمجيات التحكم في عمليات تصنيع الرقائق، بهدف إعادة توجيه مواردها نحو الحلول الأعلى ربحية، وفي مقدمتها تقنيات تصميم الشرائح المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز» نقلًا عن ستة مصادر مطلعة، فإن الشركة أبلغت خلال شهري أبريل ومايو الماضيين أكثر من عشر شركات متخصصة في تصنيع الرقائق بقرار إدخال مجموعة من برمجياتها في مرحلة إنهاء دورة الحياة. وهو ما يعني وقف تطوير إصدارات جديدة منها مستقبلًا، مع الاستمرار في تنفيذ التزامات الصيانة والدعم الفني وفق العقود المبرمة.
ويعكس هذا القرار تحولًا واضحًا في إستراتيجية الشركة؛ إذ لم يعد التركيز منصبًا على برمجيات مراقبة عمليات التصنيع بالقدر نفسه. بل أصبح موجهًا نحو أدوات تصميم الرقائق التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. في ظل تزايد الطلب العالمي على هذه الحلول وارتفاع قيمتها التجارية مقارنة بالبرمجيات التقليدية.
منتجات تتوقف واستثمارات تتوسع
شملت البرمجيات التي قررت الشركة إيقافها نظام معدات الهندسة ونظام اكتشاف الأعطال وتصنيفها. وهما من الأنظمة المستخدمة داخل مصانع أشباه الموصلات لمراقبة خطوط الإنتاج، ورصد الأعطال والانحرافات التي قد تؤثر في جودة التصنيع. كما تعتمد هذه الحلول على تحديثات مستمرة للحفاظ على كفاءتها التشغيلية. ما يفرض متطلبات دائمة تتعلق بالصيانة والدعم الفني.
وفي المقابل، أوضحت مصادر مطلعة أن الشركة سرّحت بالفعل عشرات الموظفين. فيما تخطط لإنهاء مناقشاتها مع الشركات المصنعة بشأن التزامات الصيانة بحلول شهر يوليو. كما أكد متحدث باسم الشركة أن القرار يستهدف بعض المنتجات القديمة الخاصة بتحليلات التصنيع. موضحًا أن الهدف يتمثل في تركيز الموارد على المنتجات الأعلى قيمة دون الكشف عن أسماء البرمجيات التي يشملها القرار.
وأضاف المتحدث أن الشركة ستواصل الاستثمار في تطوير قدرات جديدة ضمن فئة تحليلات التصنيع. إلى جانب الالتزام الكامل بجميع العقود الحالية وخدمات الدعم الفني أثناء تنفيذ خطة الإيقاف التدريجي. بينما امتنعت عن تأكيد ما إذا كانت هذه الخطوة قد صاحبتها تخفيضات إضافية في الوظائف.
تغيرات في سوق برمجيات أشباه الموصلات
يؤكد هذا التوجه أن سوق برمجيات أشباه الموصلات يشهد تغيرات جوهرية؛ حيث أصبحت الشركات المطورة تركز بصورة متزايدة على أدوات تصميم الرقائق المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. بينما تتجه بعض شركات التصنيع الكبرى إلى تطوير حلولها البرمجية داخليًا، بما يقلل اعتمادها على الموردين الخارجيين في بعض المجالات.
ويأتي هذا التحول أيضًا بعد أن بدأت سينوبسيس تقديم نظام معدات الهندسة عقب استحواذها عام 2021 على حلول تصنيع أشباه الموصلات التابعة لشركة كورية جنوبية، في صفقة لم تُكشف قيمتها. كما عززت الشركة حضورها في قطاع البرمجيات الهندسية باستكمال استحواذ بلغت قيمته 35 مليار دولار خلال عام 2025. في خطوة تعكس توجهها نحو توسيع نطاق الحلول التقنية ذات القيمة المضافة.
وأشار أحد المصادر إلى أن الشركة تسعى إلى تقليل الأعباء المرتبطة بالدعم الفني والصيانة لبعض خدمات الملكية الفكرية. مع إعادة توزيع مهندسيها للعمل في مجالات تصميم الرقائق المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تحقق هوامش ربح أعلى، وهو ما ينسجم مع أولوياتها الجديدة.
العملاء يطورون بدائلهم الداخلية
رغم المخاوف الأولية، أوضح مصدران أن إيقاف هذه البرمجيات قد يؤدي إلى انخفاض محدود في معدلات الإنتاجية لدى بعض الشركات. نظرًا إلى الحاجة المستمرة للتحديثات والتصحيحات الأمنية. ومع ذلك، أكد أربعة مصادر أخرى أنهم لا يتوقعون أن يكون للقرار تأثير ملموس على إنتاج الشركات الكبرى العاملة في قطاع أشباه الموصلات.
كما أشار أحد المصادر إلى أن تطوير بعض هذه الأنظمة يتطلب مشاركة بيانات تصنيع شديدة الحساسية. وهو ما دفع شركات كبرى إلى الاستثمار في تطوير أدواتها الداخلية. وفي إطار ذلك، أكد متحدث باسم إحدى الشركات المصنعة أنها بدأت بالفعل تنفيذ خطة للإيقاف التدريجي، بعد تطوير بدائل متوافقة. مشددًا على أن عمليات الإنتاج لن تتأثر بهذا القرار، بينما امتنعت شركات أخرى عن التعليق أو لم تستجب لطلبات الحصول على تعليق رسمي.
ويبرز هذا التحول بوصفه مؤشرًا على مرحلة جديدة تمر بها صناعة أشباه الموصلات؛ حيث تتجه الاستثمارات بصورة متزايدة نحو أدوات تصميم الرقائق المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بدلًا من التركيز على برمجيات التصنيع التقليدية.
كما يعزز إعلان سينوبسيس خلال شهر مارس الماضي عن تقنية جديدة تمهد لإسناد العديد من مهام تصميم الرقائق إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، قناعة السوق بأن المنافسة المقبلة تتركز على الابتكار في التصميم. باعتباره أحد أهم محركات النمو في القطاع خلال السنوات المقبلة.


