تبرز شريحة الذكاء الاصطناعي من “بايت دانس” بوصفها خطوة إستراتيجية قد تعيد رسم خريطة النفوذ داخل صناعة المعالجات المتقدمة، خصوصًا مع احتدام المنافسة بين عمالقة التقنية على امتلاك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدل الاعتماد على طرف ثالث.
ووفقًا لما نقلته وكالة «رويترز» فإن الشركة الصينية المالكة لتطبيق «تيك توك» دخلت في محادثات مع سامسونج للإلكترونيات لتصنيع معالجها الجديد. في محاولة لضمان إمدادات مستقرة من المعالجات المتقدمة وسط نقص عالمي حاد.
وتؤكد هذه الخطوة أن شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس ليست مشروعًا تجريبيًا، بل جزء من خطة صناعية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على مورّدين خارجيين.
وتطمح الشركة إلى تسلم العينات الأولية من هذه الرقاقة بحلول نهاية مارس المقبل، مع وضع خطة لإنتاج ما لا يقل عن 100 ألف وحدة خلال العام الجاري. وتتجه النية لرفع القدرة الإنتاجية تدريجيًا لتصل إلى 350,000 وحدة. حيث صُممت الشريحة خصيصًا لمهام الاستدلال التي تشغل أنظمة التوصيات الفورية وتحليل المحتوى التفاعلي بدقة فائقة.
سباق السيطرة على البنية التحتية
هذه الأرقام تعكس تحوّلًا مهمًا في عقلية شركات الإنترنت؛ إذ لم يعد امتلاك الخوارزميات كافيًا. لكن أصبح امتلاك العتاد شرطًا للتفوق. ولذلك فإن شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس تمثل محاولة للانتقال من شركة تعتمد على الموردين إلى شركة تتحكم في سلسلة القيمة التقنية بالكامل.
والمفاوضات مع سامسونج لا تقتصر على التصنيع فقط، بل تشمل أيضًا الوصول إلى رقائق الذاكرة التي تعاني نقصًا شديدًا عالميًا بسبب التوسع الهائل في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويجعل ذلك الاتفاق المحتمل جذابًا للغاية؛ لأن تأمين الذاكرة بات تحديًا يوازي أهمية المعالج نفسه.
من ناحية أخرى نفت بايت دانس دقة المعلومات المتعلقة بالمشروع الداخلي دون تقديم تفاصيل إضافية. في حين امتنعت سامسونج عن التعليق. ومع ذلك فإن توظيف الشركة لمهندسي رقائق منذ 2022 يشير بوضوح إلى أن تطوير شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس لم يبدأ حديثًا، بل هو مشروع ممتد منذ سنوات.

من الاعتماد على «إنفيديا» إلى الاستقلال التقني
كانت «رويترز» ذكرت في يونيو 2024 أن الشركة عملت مع شركة برودكوم على معالج متقدم مع خطط لتصنيعه لدى TSMC التايوانية. وهو ما يدل على أن المشروع مر بمراحل متعددة قبل الوصول إلى شكله الحالي.
كما يعكس ذلك رغبة واضحة في اختبار أكثر من مسار تقني قبل اعتماد الشريحة النهائية.
وعالميًا اتخذت شركات، مثل: جوجل وأمازون ومايكروسوفت، المسار ذاته عبر تطوير معالجاتها الخاصة لتقليل الاعتماد على إنفيديا، المورد المهيمن على رقائق الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي فإن شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس تمثل امتدادًا لاتجاه عالمي نحو الاستقلال التقني وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد.
أما في الصين فزادت القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة من تسارع هذا التوجه؛ حيث أصبحت الشركات مضطرة إلى بناء قدراتها الذاتية بدل انتظار الاستثناءات التجارية. ومن هنا يتحول المشروع من خيار اقتصادي إلى ضرورة إستراتيجية.
منافسة شرسة داخل الصين نفسها
ورغم أن بايت دانس لم تطلق شريحتها بعد، فإن منافسيها سبقوها نسبيًا؛ إذ كشفت علي بابا عن شريحة «تشنوو» لأحمال الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق.
بينما تبيع بايدو رقائق لعملاء خارجيين وتستعد لإدراج وحدة «كونلونشين». ومع ذلك فإن شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس قد تستفيد من خبرة الشركة الضخمة في تحليل الفيديو والبيانات السلوكية.
ويحمل هذا المشروع التقني الطموح الاسم الرمزي «SeedChip»، ويندرج ضمن توجه إستراتيجي شامل يهدف لتطوير نماذج اللغة الضخمة والتطبيقات الذكية المبتكرة.
وأسست الشركة خلال عام 2023 وحدة “Seed” المتخصصة لتولي مهام بناء نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخداماتها عبر منصاتها المختلفة.
وتراهن قيادة الشركة على تمكّن الذكاء الاصطناعي من إعادة صياغة أعمالها بقطاعات الفيديو القصير والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية الموجهة للمؤسسات. وأصبح تطوير العتاد التقني المستقل عنصرًا محوريًا في إستراتيجيتها المستقبلية وليس مجرد إضافة ثانوية.
استثمارات ضخمة ورهان طويل الأمد
تخطط بايت دانس لإنفاق أكثر من 22 مليار دولار على مشتريات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال العام، مع تخصيص أكثر من نصف المبلغ لشراء رقائق إنفيديا، بما فيها H200، إلى جانب تطويرها الداخلي.
ويكشف ذلك عن أن شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس لن تستبدل الموردين فورًا بل ستعمل بالتوازي معهم في مرحلة انتقالية.
وخلال اجتماع عام في يناير الماضي أكد المسؤول التنفيذي تشاو تشي أن استثمارات الذكاء الاصطناعي ستفيد جميع أقسام الشركة، من المحتوى إلى الخدمات السحابية.
في حين أقر بأن نماذج الشركة لا تزال متأخرة عن شركات مثل OpenAI، لكنه تعهد بمواصلة الاستثمار المكثف هذا العام.
في المحصلة تشير المؤشرات إلى أن المعركة القادمة في عالم التكنولوجيا لن تُحسم بالتطبيقات وحدها، بل بالبنية التحتية التي تشغّلها.
وإذا نجحت شريحة الذكاء الاصطناعي من بايت دانس في الوصول إلى الإنتاج التجاري، فقد نشهد تحولًا في ميزان القوى داخل سوق الذكاء الاصطناعي العالمية؛ حيث تتحول شركات المنصات تدريجيًا إلى شركات تصنيع رقائق. لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها: من يملك المعالج يملك المستقبل.


