في ظل تعقد جهود الاستدامة داخل الشركات وتزايد التدقيق عليها، أصبح ضروريًا أكثر من أي وقت مضى تقديم مبرر اقتصادي واضح لدمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية ضمن الإستراتيجية الأساسية للأعمال.
ومع التقلبات الاقتصادية والضغوط السياسية وارتفاع توقعات المستثمرين، بات القادة يطرحون تساؤلات أكثر صرامة حول موقع الاستدامة داخل نموذج الأعمال.
ويشير تقرير حديث بعنوان «مشروع العائد على الاستثمار: تحديد المزايا التنافسية والمالية للمسؤولية المؤسسية والاستدامة 2025» إلى نتيجة واضحة مدعومة بالأدلة، مفادها أن الاستدامة—عند تنفيذها جيدًا—تدفع الأداء المالي مباشرة.
مراجعة شاملة
يعتمد التقرير على تحديث تحليل أُجري قبل عقد من الزمن، ويجمع نتائج 640 دراسة أكاديمية وبحثية رائدة، مع التركيز على الأبحاث المنشورة خلال السنوات العشر الماضية في مجالات الأعمال التقليدية.
وقيم البحث تأثير الاستدامة في مؤشرات رئيسة تشمل أسعار الأسهم، ونمو المبيعات، والربحية، والتكاليف، والإنتاجية، مع تحليل العلاقة السببية بين مبادرات الاستدامة وتحقيق نتائج مالية متفوقة، وليس مجرد وجود ارتباط بينها.
نتائج لافتة
توصلت الدراسة إلى أن الاستدامة البيئية والاجتماعية ترتبط بتحقيق مكاسب مالية قابلة للقياس، حيث يمكن أن تصل الزيادة في التقييم المالي إلى 36%، بينما ترتفع الربحية بنسبة 21%، وتسجل المبيعات نموًا بنحو 20% في أسواق الشركات مع المستهلكين والشركات مع الشركات.
كما أظهرت النتائج ارتفاع أسعار الأسهم بنسبة 6%، وزيادة الإنتاجية بنحو 21%، إلى جانب انخفاض معدل دوران الموظفين بنسبة 57%، ما يعكس تأثيرًا واسع النطاق للاستدامة على مختلف جوانب الأداء المؤسسي.
شرط النجاح
رغم هذه النتائج الإيجابية، يشدد التقرير على أن هذه المكاسب لا تتحقق إلا عندما يتم تصميم الاستدامة وإدارتها كقدرة استراتيجية متكاملة داخل الشركة. فالاستدامة لا تؤتي ثمارها إلا إذا أحدثت تأثيرًا حقيقيًا وتم دمجها بعمق في عمليات اتخاذ القرار.
تغيير السردية
تبدأ الشركات التي تنجح في تحويل الاستدامة إلى قيمة مالية ببناء سردية أعمال مقنعة. ولا يزال التشكيك قائمًا، حيث يرى بعض النقاد أن الاستدامة تمثل تكلفة أو عبئًا تنظيميًا، وليس مصدرًا للميزة التنافسية.
لكن التقرير يقدم رؤية مضادة تقوم على مفهوم الثقة، إذ يطرح سؤالًا بسيطًا: مع أي شركة تفضل التعامل؟ شركة تتحمل مسؤولية تأثيرها على المجتمع والبيئة، أم شركة لا تفعل ذلك؟
وتظهر النتائج أن الاستدامة تعزز ثقة العملاء والمستثمرين والموظفين والموردين، كما أن القرارات المتعلقة بها لا تستند فقط إلى التحليل، بل تتأثر أيضًا بالعوامل العاطفية، حيث ينظر القادة إليها من زوايا مختلفة تتراوح بين العائد الفوري والسمعة وإدارة المخاطر والابتكار.
دمج الاستدامة
تعتمد الشركات ذات الأداء المرتفع على دمج الاستدامة في صميم أعمالها من خلال عملية منظمة تشمل التوافق والالتزام والإدارة والربط.
في مرحلة التوافق، يتم ربط الاستدامة بإستراتيجية الشركة وعملياتها، مع تحديد القضايا الجوهرية والتعامل مع ما يُعرف بـ«توترات الاستدامة»، وهي التحديات الناتجة عن التوازن بين الأهداف المالية والبيئية والاجتماعية. ويعمل القادة على تحويل هذه التوترات إلى فرص، من خلال إيجاد نقاط توازن تحقق ميزة تنافسية.
ويعد الاقتصاد الدائري مثالًا واضحًا، حيث يمكن لسلاسل الإمداد الدائرية أن تعزز الربحية بشكل كبير، مع تقليل التأثير البيئي في الوقت نفسه.
الالتزام والتنفيذ
في مرحلة الالتزام، يتم توجيه الجزء الأكبر من الإنفاق التشغيلي نحو إستراتيجية متكاملة للاستدامة، مدعومة بأهداف مالية واضحة ومؤشرات أداء محددة.
ويحدد التقرير ثلاثة مسارات رئيسة لتحقيق القيمة. تشمل دمج الاستدامة في المنتجات والعلامة التجارية. واستخدامها لخفض التكاليف من خلال تحسين الكفاءة وتقليل الهدر. إضافة إلى تطوير منتجات وخدمات جديدة تلبي التحديات البيئية والاجتماعية.
إدارة معقدة
تتطلب إدارة الاستدامة قياس النتائج بدقة. والتعامل مع درجة عالية من الغموض. حيث تميل الثقافات الريادية إلى تقبل هذا الغموض. بينما تجد المؤسسات التقليدية صعوبة في ذلك.
وتنجح الشركات التي تحقق نتائج ملموسة. في إيجاد توازن بين الانضباط الإداري. والمرونة في التعامل مع التحديات.
الربط والتأثير
تشمل المرحلة الأخيرة ربط إستراتيجية الاستدامة بتوقعات الأطراف المعنية. سواء من داخل الشركة أو خارجها. مع السعي لقيادة المبادرات التي تحظى بأهمية لدى هذه الأطراف. وبناء تحالفات تعزز التأثير.
القياس والتوسع
يوفر التقرير إطارًا لقياس النتائج بدقة وتحويلها إلى تحسينات مستمرة. حيث تمكنت بعض الشركات من تحقيق عائد على الاستثمار. يتراوح بين 20% و33% من مبادرات الاستدامة.
في نهاية المطاف وفي ضوء هذه النتائج، يشير التقرير إلى أن الجدل حول ما إذا كانت الاستدامة تحقق قيمة اقتصادية قد حُسم إلى حد كبير. وأن الأولوية الآن أصبحت في التنفيذ الفعّال. واستخدام الاستدامة كأداة إستراتيجية لتحقيق قيمة متوازنة للأرباح والمجتمع والبيئة.


