شهدت فعاليات أسبوع الذكاء الاصطناعي، الذي تنظمه الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» بالشراكة مع الهيئة العامة للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، جلسة متخصصة بعنوان «أسرار نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي»، قدمها محمد عبد الله النمر؛ الرئيس التنفيذي لحاضنة أعمال فيودكس ورائد الأعمال والموجه للشركات الناشئة.
في حين استعرض أبرز التحديات التي تواجه مشاريع الذكاء الاصطناعي والعوامل التي تساعد رواد الأعمال على بناء مشاريع قابلة للنمو والاستدامة.
وبحسب ما ورد خلال فعاليات أسبوع الذكاء الاصطناعي، الذي ينظم خلال الفترة من 9 إلى 13 أغسطس 2026 في عدد من مدن المملكة. ويضم البرنامج أكثر من 40 لقاءً رياديًا، و5 جلسات رئيسة، بمشاركة أكثر من 50 جهة. إلى جانب أكثر من 15 جهة عارضة؛ بهدف استعراض أحدث الحلول والتقنيات. والتعريف بالفرص الاستثمارية، وبناء الشراكات وتبادل الخبرات.
من التقنية إلى بناء مشروع قابل للاستمرار
وفي هذا السياق أوضح محمد النمر أن نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بجودة التقنية أو النموذج المستخدم. وإنما بقدرة المشروع على حل مشكلة حقيقية في السوق وبناء قيمة مستدامة للعملاء.
كما أشار إلى إمكانية تصنيف هذه المشاريع إلى ثلاثة نماذج رئيسة؛ الأول تكون فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي هي المنتج نفسه. والثاني تقود فيه التقنية القيمة الأساسية للمنتج مع الاعتماد على نماذج جاهزة وإضافة قيمة من خلال البيانات المتخصصة وتجربة المستخدم. والثالث يضم المشاريع التقليدية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية أو تطوير إحدى الخدمات.
وأكد أن معايير النجاح والمخاطر تختلف بحسب درجة اعتماد المشروع على الذكاء الاصطناعي. فالمشاريع التي تكون التقنية فيها هي المنتج الأساسي تحتاج إلى بنية تحتية وفريق تقني متخصص. بينما تركز المشاريع الأخرى بدرجة أكبر على البيانات وتجربة المستخدم والعائد على الاستثمار.
فخ السهولة المضللة وفهم احتياجات السوق
وتناول النمر إحدى العقبات التي تواجه رواد الأعمال، وهي ما وصفه بـ«فخ السهولة المضللة». موضحًا أن سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي وتسريع تطوير المنتجات قد تدفع البعض إلى بناء حلول تقنية قبل التأكد من وجود احتياج حقيقي لدى السوق.
وشدد على أن التحدي الحقيقي لا يتمثل دائمًا في بناء النموذج أو المنتج. وإنما في فهم سلوك المستخدم والمشكلة التي يسعى المشروع إلى حلها، مشيرًا إلى أن غياب الحاجة الحقيقية في السوق يمكن أن يكون أحد أهم أسباب فشل الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي.
البيانات والتوزيع أساس الميزة التنافسية
وحذر النمر من الاعتماد على بناء مشروع لا يتجاوز كونه واجهة فوق نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى. مؤكدًا أن تحديثات النماذج الأساسية قد تجعل هذا النوع من المشاريع عرضة للتجاوز أو الاستبدال.
وأوضح أن الميزة التنافسية الحقيقية لا تكمن في النموذج وحده. وإنما في البيانات الخاصة، والخبرة المتخصصة، وقنوات التوزيع، والارتباط العميق بعمليات العميل.
وأضاف أن بناء حلول مرتبطة بسير العمل الفعلي للعميل، إلى جانب امتلاك بيانات متخصصة ومزايا يصعب تقليدها. يمنحان المشروع قدرة أكبر على الدفاع عن موقعه في السوق والاستمرار في مواجهة التطورات السريعة.
العنصر البشري يظل جزءًا أساسيًا
وشدد الرئيس التنفيذي لفيودكس على أهمية إبقاء العنصر البشري ضمن دورة العمل، وعدم الاعتماد على الأتمتة الكاملة في جميع مراحل المشروع. موضحًا أن تصميم الأنظمة بحيث يتولى الذكاء الاصطناعي الجزء الأكبر من عمليات التوليد. بينما يتولى الإنسان المراجعة والتوجيه والاعتماد، يمكن أن يحقق نتائج أكثر ملاءمة للسياق وأعلى جودة.
وأشار إلى أن دور الإنسان لا يقتصر على المراجعة النهائية، بل يمتد إلى توجيه النظام وضمان توافق مخرجاته مع طبيعة العمل واحتياجات المستخدم. وفي السياق ذاته أكد أهمية وجود فريق تقني قادر على بناء البنية التحتية للمشروع وتطويرها مع نمو قاعدة المستخدمين.
البيانات الموثوقة واقتصاديات المشروع
وأوضح النمر أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون أداة مساعدة للمبرمج، لكنها لا تحل محل المبرمج المسؤول عن النظام. خصوصًا في المشاريع التي تستهدف التوسع والوصول إلى أعداد كبيرة من المستخدمين.
كما حذر من وضع طبقة من الذكاء الاصطناعي فوق بيانات مجزأة وعمليات غير منظمة. مبينًا أن أتمتة العمليات السيئة لا تؤدي بالضرورة إلى تحسينها، بل ربما تجعل المشكلة أسرع وأكثر تكلفة. ودعا إلى تحسين جودة البيانات وإعادة تصميم العمليات قبل الأتمتة، مع إلغاء الخطوات غير الضرورية بدلًا من أتمتتها فقط.
وتطرق كذلك إلى ضرورة فهم التكلفة الحقيقية لكل عملية ولكل مستخدم. موضحًا أن تكلفة البرمجيات لا تقترب بالضرورة من الصفر في مشاريع الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمثل كل استدعاء للنموذج أو استخدام لواجهات البرمجة ووحدات النص تكلفة فعلية يمكن أن تتزايد مع نمو المشروع.
تبني المستخدم شرط لاستدامة المشروع
ودعا النمر رواد الأعمال إلى قياس تكلفة العملية الواحدة منذ المراحل الأولى للمشروع، ومقارنتها بالقيمة التي تحققها للمستخدم، مع دراسة استخدام النماذج الأصغر والمتخصصة عندما تكون مناسبة لتقليل التكاليف وتحسين اقتصاديات المشروع.
وفي ختام محاوره ركز على فجوة التبني والمقاومة التنظيمية باعتبارها من أبرز العقبات التي تواجه مشاريع الذكاء الاصطناعي. موضحًا أن إطلاق أداة تقنية متقدمة لا يعني بالضرورة نجاحها. حيث قد تواجه مقاومة من الموظفين أو المستخدمين بسبب الخوف من الإحلال الوظيفي أو عدم وضوح الفائدة التي تعود عليهم من استخدام التقنية.
وأكد أن المشروع الناجح هو الذي يضع المستخدم النهائي في قلب عملية التصميم والتطوير. ويربط استخدام الذكاء الاصطناعي بتحسين الإنتاجية وتقليل الأعمال المتكررة، بدلًا من تقديم التقنية باعتبارها تهديدًا للوظائف.
النجاح يتجاوز تطوير التقنية
واختتم محمد النمر حديثه بتأكيد أن بناء مشروع ناجح في الذكاء الاصطناعي يتطلب رؤية تتجاوز اختيار النموذج أو تطوير المنتج. لتشمل فهم السوق والبيانات والبنية التقنية واقتصاديات المشروع وتجربة المستخدم وقدرة المؤسسة على تبني الحل الجديد.
وتعكس الجلسة أهمية الانتقال من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية جديدة إلى النظر إليه كمنظومة متكاملة لإعادة بناء المنتجات والعمليات ونماذج الأعمال. بما ينسجم مع توجهات المملكة نحو تعزيز الابتكار ودعم رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاعات التقنية والواعدة.
وتواصل فعاليات أسبوع الذكاء الاصطناعي تقديم مساحة تجمع رواد الأعمال والخبراء والجهات المتخصصة لاستكشاف فرص الذكاء الاصطناعي. وتبادل الخبرات، وبناء الشراكات التي تسهم في تطوير منظومة الابتكار والتقنية في المملكة.


