بناء ثروة ونجاح يدومان يتبع مسارًا يمكن التنبؤ به، وإن لم يكن جذابًا في كثير من الأحيان: البداية قبيحة، والمنتصف فوضوي، والنهاية جميلة.
هذه الحقيقة تظهر بوضوح في أبحاثي حول «العادات الثرية»، وهي دراسة استمرت 5 سنوات وشملت 233 شخصًا ثريًا، من بينهم 177 مليونيرًا بنوا ثرواتهم بأنفسهم، و128 شخصًا يعانون صعوبات مالية.
وتُظهر البيانات أن الأشخاص العاديين يصبحون أثرياء ليس بفضل اختراقات مفاجئة أو ذكاء استثنائي، وإنما من خلال عادات يومية يحافظون عليها لعقود رغم الصعوبات.
البداية قبيحة
بدء العادات التي تصنع الثروة يبدو محرجًا وغير مريح ومحبطًا.
وتكشف أبحاثي عن أن أصحاب الملايين الذين بنوا ثرواتهم بأنفسهم كانوا يستيقظون مبكرًا. ويخصصون 30 دقيقة على الأقل يوميًا للتعلم الذاتي. وفعل ذلك 88% من الأثرياء، مقابل 2% فقط من الفقراء.
كما كانوا يضعون أهدافًا محددة ويراجعونها يوميًا، وهي عادة اتبعها نحو 80% من الأثرياء مقابل 12% من الفقراء.
وكانوا يمارسون الرياضة بانتظام، ويدخرون بقوة، ويحيطون أنفسهم بأشخاص يفكرون بعقلية النجاح.
ويحتاج تبني هذه العادات إلى إعادة صياغة أنماط حياتية ترسخت على مدى سنوات.
وكما كتبت من قبل: «الأمور تكون دائمًا أصعب في البداية. فالبداية دائمًا صراع».
وكثيرًا ما أقتبس عن توماس فولر قوله: «كل الأشياء تكون صعبة قبل أن تصبح سهلة».
ويستسلم معظم الناس هنا؛ لأن الخطوات الأولى ــ الاستيقاظ مبكرًا، والقراءة بدلًا من تصفح الهاتف، والعيش بأقل من الإمكانات ــ لا تحقق عائدًا واضحًا وفوريًا. كذلك تتطلب إرادة مستمرة لمقاومة الراحة.
المنتصف فوضوي
هذه هي المرحلة الطويلة والشاقة، التي يتعثر فيها التقدم، وتتزايد الانتكاسات، ويتسلل الشك إلى النفس.
استغرق المليونير الذي بنى ثروته بنفسه في دراستي، في المتوسط، 32 عامًا من الجهد المستمر لبناء ثروة كبيرة.
وخلال هذه الرحلة، فشل 34% من هؤلاء في أعمالهم مرة واحدة على الأقل، بينما خاض 81% منهم مخاطر كبيرة في سبيل تحقيق أحلامهم.
ويشبه هذا الطريق «صعود درج لا ينتهي». إذ تحمل كل درجة عقبات وأخطاء وأبوابًا مغلقة.
ويستمر وضع الأهداف اليومية، والتعلم المستمر، والعمل المنضبط دون ضجيج، فيما تتأخر النتائج الخارجية عن الظهور.
ويتخلى كثيرون عن المسار خلال هذه المرحلة. لأن دورة الحصول على نتائج وملاحظات تصبح أبطأ، ولأن العمل يبدو متكررًا ولا يحظى بالتقدير.
لكن النهاية جميلة
في النهاية يختبر أولئك الذين يرفضون الاستسلام عوائد متراكمة: الاستقلال المالي، وتعدد مصادر الدخل، وحرية أكبر، والثقة الهادئة التي تأتي من بناء عادات أثبتت فاعليتها.
ويجذب الإصرار نفسه ما أسميه «السيدة الحظ»؛ أي الفرص التي لا تظهر إلا بعد سنوات من الجهد الدؤوب.
وتُظهر أبحاثي نفسها أن الأثرياء ينسبون نجاحهم في المقام الأول إلى قراراتهم وعاداتهم، وليس إلى الحظ أو القدر.
الأدلة تدعم الفكرة
تدعم أبحاث وملاحظات أخرى هذه النتائج بقوة.
ويلخص خبير القيادة روبن شارما المسار نفسه بقوله: «التغيير يكون أصعب ما يكون في البداية، وأكثر فوضوية في المنتصف، وأفضل ما يكون في النهاية».
في حين تُظهر الدراسات النفسية حول المثابرة، التي اشتهرت من خلال أبحاث أنجيلا دكوورث، أن المثابرة والشغف بالأهداف طويلة الأجل يتنبآن بالإنجاز بصورة أكثر موثوقية من الموهبة أو معدل الذكاء وحدهما.
والأشخاص أصحاب الإنجازات العالية يطورون ببساطة قدرة أكبر على الاستمرار عندما يتراجع الحافز، وتصبح العملية مملة أو يبدو أنها متوقفة.
وتصف روايات رواد الأعمال النجاح مرارًا بأنه «كفاح فوضوي، مليء بالعرق والمشاعر والوحدة والقبح»، ولا يبدو في النهاية إلا كأنه نجاح تحقق بين ليلة وضحاها.
لا تتوقف في المنتصف
طريق «العادات الثرية» ليس طريقًا براقًا. إنه يتطلب أن تبدأ عندما يبدو كل شيء قبيحًا، وأن تواصل السير خلال المنتصف الفوضوي، بما يحمله من انتكاسات وتقدم بطيء.
ويتطلب أيضًا أن تثق بأن السلوكيات اليومية المنتظمة تؤدي في النهاية إلى نتيجة جميلة.
ومعظم الناس لا يصلون إلى تلك النهاية. لأنهم يتوقفون عندما يظل العمل شاقًا وتبقى النتائج غير مرئية.
أما الذين يواصلون الطريق، فيكتشفون أن المعاناة نفسها هي التي تصنع الشخص القادر على تحقيق نجاح يدوم.
ابدأ بالعادات. وتحمل الفوضى؛ فالجمال يصل إلى أولئك الذين يرفضون الاستسلام.


