لم يعد فيضان المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي مجرد موجة تقنية عابرة؛ إذ بدأ يتحول إلى واقع جديد يعيد تشكيل مفهوم الشهرة والتأثير وبناء السمعة؛ فتجد قنوات كاملة تجتذب ملايين المتابعين، يقدم محتواها أشخاصٌ افتراضيون لا وجود لهم في الواقع، يتحدثون بثقة عن تجارب لم يعيشوها، ويقدمون نصائح في مجالات لم يمارسوها يومًا.
البديل الافتراضي
ومع هذا التمدد الكاسح، ندخل تدريجيًا مرحلة يمكن أن نطلق عليها Avatar Branding؛ حيث أصبحت النسخ الافتراضية قادرة على تمثيل الأشخاص، والتحدث بأصواتهم، والظهور بصورهم، وإنتاج المحتوى نيابة عنهم على مدار الساعة. بل أصبح بإمكان شخص يفتقر إلى الحضور أو القبول الاجتماعي المباشر أن يصنع لنفسه “وجودًا افتراضيًا” براقًا، قد يبدو أكثر جاذبية وتأثيرًا من صاحبه الحقيقي.
العلامة الشخصية أقدم من وسائل التواصل الاجتماعي
وهنا يبرز السؤال: هل نعيش الأيام الأخيرة لما يسمى العلامة الشخصية Personal Branding؟
أعتقد أن الإجابة تحتاج أولًا إلى العودة إلى أصل الفكرة؛ فالعلامة الشخصية ليست اختراعًا من اختراعات وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تبدأ مع لينكدإن أو فيسبوك أو إنستجرام، وإنما هي موجودة منذ أن عرف الإنسان المجتمع والعمل والتجارة والعلاقات الإنسانية.
كان للإنسان اسمه وسمعته ومكانته وما يُعرف به بين الناس. وكان المجتمع يعرف من يُتقن عمله، ومن يفي بوعده، ومن يُوثَق به، ومن يُكثِر الكلام ويُقِل الإنجاز؛ بمعنى آخر، كان الـPersonal Branding موجودًا قبل أن نطلق عليه هذا الاسم.
ولنا في ريادة الأعمال أمثلة عربية لأسماء عظيمة؛ مثل محمود العربي من مصر، وصالح الراجحي من السعودية، وراشد الزياني من البحرين، وسعود بهوان من سلطنة عمان، وغيرهم الكثير.
العلامة الشخصية الحقيقية
وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع العلامة الشخصية، وإنما نقلتها إلى فضاء أوسع؛ وهو ما يفعله الذكاء الاصطناعي نفسه اليوم ولكن بقوة أكبر. وهنا يجب ألا نقع في وهم أن الادِّعاء وتضخيم الذات ظاهرة جديدة أوجدها الذكاء الاصطناعي؛ فالتزييف وبناء الشهرة الفارغة سلوك بشري قديم؛ فلطالما تقدم البعض في الحياة؛ اعتمادًا على حُسن تقديم أنفسهم أكثر من جودة ما يقدمونه فعلًا، بينما ظل أصحاب الخبرة الحقيقية يعملون في صمت.
الذكاء الاصطناعي مُحرك نفاث للادعاء
ما كان يحتاج في الماضي إلى فريق من الكُتّاب والمصممين والمصورين ومديري المحتوى، يمكن اليوم إنتاجه خلال دقائق، بل يمكن للشخص نفسه أن يظهر في عشرات المنصات، وبعشرات اللغات، وعلى مدار الساعة، وبصوت وصورة شديدي الإقناع.
وهكذا، لم تعد المشكلة في قدرة الإنسان على إنتاج المحتوى، وإنما في انهيار تكلفة إنتاج المحتوى. وعندما يصبح إنتاج مليون قطعة من المحتوى أسهل من إنتاج قطعة واحدة ذات قيمة حقيقية، فإن الندرة لن تكون في المحتوى.، بل في المعنى.
التضخم المعلوماتي
نحن نعيش بالفعل مرحلة من التضخم المعلوماتي غير المسبوق؛ ملايين المنشورات، وملايين الفيديوهات، وعدد هائل من الكتب والصور والتقارير والمقالات التي يمكن توليدها آليًا كل يوم. ومع ذلك، فإن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة القيمة؛ فالكم الهائل من الإنتاج قد يتحول إلى ما يشبه زبد البحر؛ أي كثير الحجم، قليل الأثر.
ليست المشكلة هنا في الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في الغاية التي نستخدمه من أجلها؛ فالذكاء الاصطناعي أداة فائقة القدرة والسرعة، يستطيع أن يضاعف الإنتاج، ويختصر الوقت، ويساعد الإنسان على الوصول إلى نتائج لم تكن ممكنة من قبل، لكنه لا يمتلك، من تلقاء نفسه، الغاية الإنسانية التي ينبغي أن توجه هذا الإنتاج، ولا النية، ولا الضمير، ولا التجربة الحياتية التي تمنح المعرفة معناها.
قيمة الإنسان مقابل الآلة
ما الذي لا تستطيع الآلة أن تعيشه؟
- تستطيع الآلة أن تصف لك كيف تقود سيارة، ولكنها لم تعش رحلة طويلة في طريق خطر.
- تستطيع أن تكتب عن ريادة الأعمال، ولكنها لم تخسر مشروعًا وتعيد بناءه.
- تستطيع أن تُنتج نصًا عن القيادة، ولكنها لم تتحمل مسؤولية فريق في أزمة حقيقية.
- تستطيع أن تتحدث عن النجاح والفشل، ولكنها لم تبكِ بسبب فشل، ولم تسهر بحثًا عن حل، ولم تتحمل ثمن قرار خاطئ.
التشبع الاصطناعي
وهنا تحديدًا ستظهر قيمة الإنسان؛ فكلما أصبح المحتوى الاصطناعي أكثر وفرة وتشابهًا، أصبح التجرد من الاصطناع أكثر قيمة. ومع الوقت، أعتقد أننا سنشهد نوعًا من “التشبع الاصطناعي”. سيشاهد الناس آلاف الوجوه المثالية، ويسمعون آلاف الأصوات المصقولة، ويقرأون آلاف النصوص التي تبدو ذكية ومقنعة، حتى يصبح السؤال الأهم في ذهن المتلقي: هل هذا حقيقي؟.
مرحلة جديدة لبناء العلامة الشخصية
من هنا ستبدأ مرحلة جديدة من بناء العلامات الشخصية:
- لن يكون السؤال فقط: كم عدد متابعيك؟، بل: ماذا فعلت؟
- لن يكون السؤال: كم فيديو نشرت؟، بل: ما الذي تستطيع أن تشهد عليه بتجربتك؟.
- لن يكون السؤال:هل تبدو خبيرًا؟، بل: هل أنت خبير فعلًا؟، وسيصبح الإنسان الذي يقول: “فعلت هذا بنفسي”، أكثر قيمة من الإنسان الذي يقول: “أستطيع أن أكتب لك عن هذا”.
ستزداد قيمة القصص الشخصية، والتجارب الميدانية، والمشروعات التي يمكن رؤيتها ولمس نتائجها، والشهادات التي تأتي من أشخاص حقيقيين تعاملوا معك، لا من خوارزميات صنعت لك جمهورًا.
الأصالة والخبرة والثقة
هنا قد يحدث تحول مهم؛ ربما لن تموت العلامة الشخصية، بل يموت شكلها القديم، قد ينتهي عصرها القائم أساسًا على كثافة النشر، وكثرة المتابعين، والصورة المثالية، والظهور المستمر. وقد ننتقل إلى عصر آخر تصبح فيه مبنية على ثلاثة أصول أكثر نُدرة: الأصالة، والخبرة، والثقة.
وهكذا، ربما يكون مستقبل العلامة الشخصية ليس Personal Branding كما عرفناه، وإنما شيءٌ أعمق بكثير: Human Branding. ففي هذا العالم، سيكون “البقاء للأصدق”، وقد تصبح هذه العبارة أكثر دقة من “البقاء للأقوى”؛ لأن القوة والسرعة والإنتاجية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضاعفها، لكن هناك أشياء لا يستطيع أن يمنحها لك بسهولة: تاريخ حقيقي، وتجربة حقيقية، وسمعة حقيقية، وثقة تراكمت عبر الزمن.


