تعتبر الاستقلالية المفرطة داخل بيئة العمل علامة من علامات الأداء العالي. أي أن الموظف الذي يواصل العمل من المكتب حتى وقت متأخر، ويحمل أعباء الفريق بأكمله على كتفيه، غالبًا ما يُنظر إليه أنه أحد رموز النجاح في المؤسسة.
ومع ذلك يحذر خبراء العمل والباحثين من أن هذه السلوكيات ليست دائمًا دليل قوة، بل تمثل تكيف نفسي ناتج عن ضغوط سابقة. ما يعكس إرهاقًا نفسيًا وجسديًا. وخفض مستويات التعاون وتعرقل النمو القيادي داخل المؤسسات.
الاستقلالية المفرطة..ثقافة اجتماعية أم سمة عملية
ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في نشر مفهوم الاستقلالية المفرطة. حيث فسرها الناشطون بأنها صدى تجاربهم الشخصية. بعدما كانوا يظنون أن مواصلة العمل هو السبيل الوحيد للنجاح، وليس آلية بقاء ذات تكلفة منخفضة.
كما دفعت الخبراء للمطالبة بأن تعترف بيئات العمل بهذه الأنماط وتستبدلها بثقافة الاعتماد المتبادل الصحي.
عوامل ظهور الاستقلالية المفرطة
علاوة على ذلك، أظهرت دراسة نشرت في مجلة علم النفس البحثية في مايو 2025 وجود علاقة قوية بين أزمات الطفولة والاستقلالية المفرطة لدى طلاب الجامعات. ما يدعم فرضية أن هذا النمط السلوكي يظهر كآلية دفاعية وليس طموحًا بحتًا.
كذلك، تظهر نتائجه بصمت في بيئة العمل، على هيئة ضعف الموهبة، انهيار وتفكك فرق العمل، ومسارات القيادة تتوقف.
مظاهر الاستقلالية المفرطة داخل بيئة العمل
علاوة على ذلك، يتسم الموظف المستقل بتجسيد نموذجًا للمثالية المهنية. حيث يتحمل العمل تحت ضغط، ولساعات طويلة، ذلك بدون طلب المساعدة.
وفي السياق ذاته، أوضحت توبسي فاندنبوش، المعالجة النفسية والخبيرة في الصحة العقلية، أن هذا النمط يعزز من الثقافة التي تكافئ الاعتماد على الذات فقط:
وقالت: “من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا لدى الموظفين المفرطين في الاستقلالية هو اعتقادهم أن قيمتهم تكمن في قدرتهم على تحمل كل شيء وحدهم”.
العقبات والتحديات
1. الانحراف عن السلوك المستدام
كذلك، إذا تولى موظف واحد كل المهام بمفرده، سيتجه البعض إلى تقليده للحصول على التقدير نفسه، أو الانسحاب بسبب شعورهم بعدم الإنتماء إلى المؤسسة.
لذا، تقول لوري تيريتو ، رئيسة قسم التعلم والتطوير في شركة Altera وقيادية سابقة في Intel:
“عندما لا تتم معالجة نمط الاستقلالية المفرطة، لا ينهار الأشخاص فقط، بل يبعث برسالة إلى الفريق بأن هذا السلوك هو ما يكافأ عليه النجاح”.
2. خفض مستويات المشاركة الوظيفية
بحسب تقرير غالوب لعام 2025 حول حالة بيئة العمل العالمية، تراجعت مستويات مشاركة المديرين من 30% إلى 27%. بينما استقرت نسبة مشاركة الموظفين عند 18%.
وأضافت،تيريتو “عندما يحاول القادة حمل كل شيء بأنفسهم، فإنهم لا ينهكون فقط، بل يضعفون دافع فريقهم”.
3. تحول المسار القيادي
من ناحية أخرى، تقف الاستقلالية المفرطة أيضا عائقًا أم التطور المهني. فالقادة الذين لا يفوضون المهام يفتقرون إلى مهارات الثقة والتعاون والتوجيه المطلوبة للمناصب العليا.
ووفقًا لتقرير التوقعات العالمية للقيادة، أظهر أن 81% من القادة الجدد يفتقرون إلى مهارة التفويض. ما يؤدي إلى إرهاقهم وانسداد مسارات ترقيهم.
تفعيل سياسة الاستقلالية المفرطة بنجاح
1. الانطلاق من القمة
كذلك، أكدت أبحاث Harvard Business Review أن القادة الواعين بتحدياتهم ويطلبون الدعم يعززون ثقافة التعاون.
كما أفادت الدراسات أن القوة المحدودة للبشر ليست ضعفًا إداريًا بل إشارة إلى الوعي الذاتي والقوة الحقيقية.
2. الحوافز والمكافآت
ومن جهته، قال ستيو فريدمان عالم النفس التنظيمي في جامعة وارتون “يجب أن نهتم بالأشخاص الذين يجيدون التعاون والتواصل مع الفرق، لا فقط أولئك الذين يحققون النتائج الفردية”.
كما يجب ربط التحفيز بمدى نجاح القادة في تطوير الآخرين، وليس فقط بما ينجزونه شخصيًا.
3. الولاء والثقة
وعلى سبيل ذلك، أفادت الأبحاث أن برامج تدريب القيادة التي تركز على التعاون والتفويض تسهم في تحول الموظفين ذات الأداء العالي إلى نمط النمو المستدام.
مستقبل الشركات
تعزيز التعاون بين فرق العمل
بالإضافة إلى ذلك، يجب إعادة تصميم أنظمة التقدير لتكافئ التعاون وتطوير الآخرين أكثر من العمل الفردي.
نشر ثقافة الضعف الإيجابي
كما يشمل دعم الموظفين للتحدث عن الصعوبات وطلب المساعدة دون خوف من الحكم.
تنمية المواهب وتعزيز الثقة
كذلك، يتعين على المؤسسات إدراج الثقة والتفويض وبناء الآخرين كمهارات تقاس في تقييمات الأداء والترقية.
وجدير بالذكر أن الاستقلالية المفرطة لا تزال تندرج تحت غطاء الأداء العالي. ومع ذلك، تكمن القوة الحقيقية في تكليف الفرد بالمهام التي يستطيع أدائها، بقدر ما يلهم وينمي الآخرين من حوله.
كما أن الشركات التي تركز على تعزيز التعاون والنمو المشترك لن تحمي موظفيها من الاحتراق فقط، بل ستحمي مستقبلها أيضًا.
المقال الأصلي: من هنـا


