مسيرة حافلة بالابتكار قادها سوندار بيتشاي، الرجل الذي لم يكتفِ بدور المهندس المبدع، بل تجاوز الحدود ليتربع على عرش واحدة من أضخم الإمبراطوريات التكنولوجية في العصر الحديث. فمن قلب الهند، وتحديدًا من مدينة مادوراي، انطلقت رحلته الأكاديمية والمهنية، قبل أن تستقر في وادي السيليكون؛ حيث انضم إلى شركة جوجل في عام 2004، ليضع بصمته على خارطة التكنولوجيا العالمية.
تواصلت هذه المسيرة لسنوات، عمل خلالها بيتشاي على تطوير منتجات غيرت وجه الإنترنت وأرست دعائم العصر الرقمي الذي نعيشه. فقد قاد فريق تطوير متصفح كروم ونظام التشغيل كروم أو إس، وكلاهما أصبحا من الركائز الأساسية في عالم الحوسبة الحديثة. إضافةً إلى إسهاماته الجوهرية في تطبيقات حيوية مثل: جي ميل وخرائط جوجل.
وبعد أن أثبت جدارته في قيادة المنتجات وإدارة الفرق، فاز بثقة القيادة العليا ليصبح الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، ثم لشركتها الأم ألفابيت. مجسدًا بذلك قصة صعود ملهمة من قلب عالم التكنولوجيا. واعتبارًا من مايو 2025، تقدر ثروته الصافية بـ 1.1 مليار دولار أمريكي، ما يعكس القيمة الهائلة التي أضافها لشركته وللصناعة بأسرها.

الحياة المبكرة والتعليم
ولد سوندار بيتشاي في 12 يوليو 1972 بمدينة مادوراي في ولاية تاميل نادو الهندية، لعائلة هندوسية تنحدر من أصول تاميلية. كانت والدته، لاكشمي، تعمل ككاتبة اختزال. بينما كان والده، ريجوناثا بيتشاي، مهندسًا كهربائيًا لدى شركة GEC البريطانية. لقد نشأ في بيئة متواضعة، لكنها غنية بالتحفيز الفكري؛ حيث كان والده يولي اهتمامًا كبيرًا لدراسته وتشجيعه على تحقيق طموحاته الأكاديمية.</p>
أكمل بيتشاي دراسته الابتدائية في مدرسة جواهر فيديالايا الثانوية العليا، ثم التحق بمدرسة فانا فاني التابعة لمعهد IIT مادراس لاستكمال تعليمه الثانوي. تميز بيتشاي بتفوقه الأكاديمي، ما أهّله للالتحاق بواحدة من أرقى المؤسسات التعليمية في الهند. وهي المعهد الهندي للتكنولوجيا (IIT) في خراجبور؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المعدنية.
وفي سعيه لتحقيق المزيد من التميز الأكاديمي، واصل بيتشاي رحلته الدراسية خارج الهند. وحصل على منحة دراسية سمحت له بالسفر إلى الولايات المتحدة؛ حيث التحق بجامعة ستانفورد، وحصل منها على درجة الماجستير في علوم وهندسة المواد. ولم تتوقف مسيرته عند هذا الحد، فقد التحق بكلية وارتون بجامعة بنسلفانيا؛ حيث نال درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA). ولفت انتباه أساتذته بذكائه وقيادته، فحصل على لقبي Siebel Scholar و Palmer Scholar، وهما من أرفع الألقاب الأكاديمية التي تمنح للطلاب المتميزين.</p>
المسيرة المهنية
بدأت المسيرة المهنية لـ”بيتشاي” في مجالات الهندسة وإدارة المنتجات؛ حيث عمل في شركة Applied Materials، ثم انتقل بعد ذلك إلى مجال الاستشارات الإدارية في شركة McKinsey & Company. وفي عام 2004، كانت النقطة الفاصلة في حياته المهنية عندما انضم إلى شركة جوجل، ليجد فيها البيئة المثالية لتفجير طاقاته الإبداعية والقيادية.</p>
وسرعان ما أثبت بيتشاي نفسه في جوجل؛ حيث أوكلت إليه مهام قيادة تطوير منتجات رئيسية مثل: متصفح Chrome ونظام التشغيل ChromeOS. إضافةً إلى Google Drive. كما كان له دور إشرافي أساسي في تطوير تطبيقات حيوية أخرى مثل: Gmail وGoogle Maps، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة ملايين المستخدمين حول العالم.</p>
إطلاق نظام التشغيل ChromeOS
وفي نوفمبر 2009، قدم بيتشاي عرضًا توضيحيًا لنظام التشغيل ChromeOS، الذي كان يهدف إلى تقديم تجربة حوسبة سري
عة ومبسطة تعتمد بشكلٍ كبير على الإنترنت. تبع هذا الإعلان إطلاق جهاز Chromebook للتجربة في عام 2011، قبل أن يطرح رسميًا للجمهور في عام 2012. وفي مايو 2010، أعلن عن إطلاق ترميز الفيديو الجديد مفتوح المصدر VP8، وقدم صيغة الفيديو WebM. ما ساهم في تعزيز مكانة جوجل كداعم للتقنيات المفتوحة.
توسعت مسؤوليات بيتشاي في عام 2013، عندما أضيف نظام التشغيل Android إلى قائمة المنتجات التي يشرف ع
ليها، بعد أن كان يدار من قبل آندي روبين. وكان هذا التوسع بمثابة اعتراف واضح بقدراته القيادية الفائقة؛ حيث أصبح مسؤولًا عن قيادة اثنتين من أهم المنصات التكنولوجية في العالم. وفي الفترة ما بين 2011 و2013، خدم بيتشاي أيضًا في مجلس إدارة شركة Jive Software.
قيادة قمة ألفابيت
في عام 2014، رُشّح بيتشاي لمنصب الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، لكن المنصب ذهب في النهاية إلى ساتيا ناديلا. وبعد هذا الحدث، عززت جوجل ثقتها به بشكلٍ أكبر، ليصبح الرئيس التنفيذي لها في عام 2015. وبحلول ديسمبر 2019، ارتقى ليصبح الرئيس التنفيذي لشركة ألفابيت، الشركة الأم لـ”جوجل”. ما جعله واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في عالم التكنولوجيا.
واجه بيتشاي بعض التحديات الجدلية خلال مسيرته، أبرزها في أغسطس 2017، عندما أثار الجدل بعد إقالته لموظف كتب بيانًا من عشر صفحات ينتقد فيه سياسات التنوع في الشركة. وفي ديسمبر 2018، مثل أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي؛ حيث واجه أسئلة تتعلق بالانحياز السياسي المزعوم في منصات جوجل، وخططها المحتملة لتطوير “تطبيق بحث خاضع للرقابة” في الصين، بالإضافة إلى ممارسات الخصوصية. نفى بيتشاي حينها إمكانية تحكم الموظفين في نتائج البحث، وأكد على عدم وجود خطط حالية لإطلاق محرك بحث خاضع للرقابة في الصين.</p>
وفي ديسمبر 2019، تولى بيتشاي قيادة ألفابيت، ومع هذا الدور الجديد، زادت مسؤولياته وتحدياته. ففي عام 2022، تجاوزت تعويضاته من الشركة 200 مليون دولار. وهو ما أثار انتقادات من بعض الموظفين، لا سيما في ظل عمليات التسريح الواسعة التي قامت بها الشركة في عام 2023. وفي أبريل 2024، واجه بيتشاي موقفًا آخر بعد طرد 28 موظفًا بسبب احتجاجهم على مشروع Nimbus؛ حيث صرح بأن المكتب ليس مكانًا “للجدال حول القضايا المثيرة للانقسام أو لمناقشة السياسة”، محذرًا من استخدام الشركة “كمنصة شخصية”.
الإنجازات والتكريم
وتقديرًا لإسهاماته في عالم التكنولوجيا وتأثيره الكبير على الصناعة، أُدرج بيتشاي في قائمة تايم 100 للأشخاص الأكثر تأثيرًا في العالم مرتين، الأولى في عام 2016 والثانية في عام 2020. كما تم إدراجه في قائمة Time 100 AI لعام 2024. ما يؤكد دوره الريادي في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي عام 2021، نال بيتشاي جائزة Asia Game Changer Award من Asia Society. وهي جائزة تمنح للشخصيات الآسيوية التي تحدث فرقًا إيجابيًا في العالم.
وبلغت مسيرة التكريم ذروتها في عام 2022، عندما حصل على وسام بادما بوشان من حكومة الهند، في فئة التجارة والصناعة. وهو ثالث أعلى وسام مدني يمنح في البلاد. ويعكس هذا التكريم الرسمي من موطنه الأصلي فخر الهند بأحد أبنائها الذي وصل إلى قمة النجاح العالمي، وأصبح رمزًا للإلهام والابتكار.


