تحول شغف تاناي كوثاري بالتكنولوجيا منذ نعومة أظافره إلى مسار ريادي استثنائي، قاده من تطوير عشرات التطبيقات إلى تأسيس شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي بلغت قيمتها الملياري دولار؛ حيث تجسد رحلته كيف أسهم تغيير نموذج العمل في إعادة توجيه مشروعه بالكامل من تطوير الأجهزة القابلة للارتداء إلى التخصص في البرمجيات المعتمدة على الصوت.
وبحسب ما أوردته مجلة «فورتشن» فإن كوثاري شيد برفقة شريكه ساهج جارج شركة «ويسبر» عام 2021. بدافع إعادة صياغة تفاعل المستخدمين مع أجهزة الكمبيوتر. وأثمرت جهودهما عن إطلاق أداة للكتابة الصوتية حظيت بانتشار واسع، تمكنت الشركة إثرها من جمع 280 مليون دولار في جولة تمويلية من الفئة (ب). ليرتفع تقييمها إلى ملياري دولار، ويتجاوز إجمالي تمويلاتها 361 مليون دولار.
علاوة على ذلك، تعود جذور هذه النجاحات إلى العاصمة الهندية دلهي؛ حيث انطلق كوثاري في بناء أكثر من 50 تطبيقًا. إلى جانب تطويره منصة «كونفيرت» الموسيقية التي استقطبت أكثر من 2.5 مليون مستخدم شهريًا. وذلك قبل انتقاله إلى جامعة ستانفورد لدراسة علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي. وهي المحطة التي شهدت لقاءه بجارج وبداية مرحلة جديدة من مسيرتهما الاستثمارية.
من التطبيقات إلى تجربة جديدة في الصوت
قاد الشغف المشترك بالتكنولوجيا والأنظمة الصوتية الثنائي كوثاري وجارج إلى ابتكار وسيلة أكثر مرونة للتفاعل مع الحاسوب. حيث نجح المؤسسان عام 2021 في جمع 4.6 مليون دولار لتطوير جهاز قابل للارتداء يعتمد على الواجهة الدماغية المحسوبة. بغية تمكين المستخدمين من الإملاء عبر تحريك الشفاه بصمت.
بيد أن التجربة الميدانية لم تطابق تطلعات الثنائي؛ إذ كشفت سنوات الاختبار المتواصلة عن عدم نضج التقنية المعتمدة لتحقيق رؤيتهما المستقبلية. ما دفعهما لاتخاذ قرار إستراتيجي بالحيدة عن مسار الأجهزة الصلبة وإعادة توجيه بوصلة المشروع نحو التركيز الكامل على الحلول البرمجية.
وفي غضون أسابيع قليلة، نجح كوثاري وجارج في إعادة تطويع التقنيات الصوتية المطورة لإطلاق أداة «ويسبر فلو» للكتابة الصوتية. وهي تقنية تتيح تحويل الحديث الطبيعي إلى نصوص منسقة ومدققة لغويًا وبشكل تلقائي. مؤكدةً تحول عملية التحرير نحو الاعتماد على الصوت بديلًا للوحة المفاتيح التقليدية.
«ويسبر فلو» يوسع استخدام الصوت
تحولت الأداة سريعًا من مجرد وسيلة لتحويل الكلام إلى نصوص إلى منصة متكاملة تُعيد صياغة تفاعل المستخدمين مع الأجهزة الرقمية. إذ تتيح التقنية الإملاء بأسلوب طبيعي وبسرعة تصل إلى 220 كلمة في الدقيقة، مع دعم أكثر من 100 لغة حول العالم.
وفي هذا الصدد، اتسعت قاعدة العملاء لتشمل أفرادًا وفرق عمل ضمن كبرى الشركات العالمية. حيث أفادت مجلة «فورتشن» بأن الأداة باتت تُستخدم من قبل ملايين المستهلكين ونحو 100 ألف شركة. وهو ما انعكس على الأداء المالي للشركة بتحقيق نمو في الإيرادات تجاوز 150% خلال الأرباع الأربعة الأخيرة.
علاوة على ذلك، لم يقتصر النجاح على تطوير المنتج فحسب، بل امتد إلى إعادة تعريف الاستخدام الوظيفي للصوت. فبدلًا من الانحصار في إنتاج جهاز مستقل، ركزت الشركة جهودها على بناء واجهة صوتية مرنة تتكامل مع مختلف التطبيقات. مؤكدةً تموضع الذكاء الاصطناعي التقني في قلب تجارب المستخدم المستقبلية.
تمويل ضخم يرفع قيمة الشركة
ومع تسارع نمو الشركة، تمكنت «ويسبر» من جمع 280 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة (ب)، بقيادة «مينلو فنتشرز»، وبمشاركة مستثمرين حاليين وجدد. ورفعت الجولة قيمة الشركة إلى ملياري دولار، كما وصل إجمالي التمويل الذي جمعته الشركة إلى 361 مليون دولار.
ويعكس حجم التمويل اهتمام المستثمرين بتطوير تقنيات الصوت والذكاء الاصطناعي. خصوصًا مع انتقال الشركة من مفهوم الإملاء الصوتي إلى رؤية أوسع تتعلق بطريقة استخدام البشر لأجهزة الكمبيوتر. وأعلنت الشركة بالتزامن مع الجولة عن نموذج صوتي خاص بها، يستهدف تحسين دقة التعرف على الكلام في البيئات التي تتضمن ضوضاء أو ظروفًا صوتية صعبة.
كما تعمل «ويسبر» على توسيع نطاق منتجاتها بما يتجاوز تحويل الكلام إلى نص. وأصبحت الشركة تنظر إلى الصوت باعتباره وسيلة يمكن من خلالها تنفيذ مهام مختلفة والتفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي. وهو ما يفسر تركيزها على تطوير نماذج صوتية ومنتجات جديدة خلال المرحلة المقبلة.
رؤية تتجاوز الكتابة بالصوت
لا يقتصر طموح كوثاري وشريكه جارج على حدود تحويل الكلام إلى نصوص، بل يتطلع الثنائي إلى تطوير نموذج أكثر شمولية لتفاعل الإنسان مع الحاسوب عبر الصوت. حيث تشير مجلة «فورتشن» إلى أن المؤسِسَين ينظران إلى الإملاء الصوتي بوصفه البوابة الرئيسية لولوج سوق أوسع. يقوم على إملاء التوجيهات لأدوات الذكاء الاصطناعي وتنفيذ المهام المعقدة بكفاءة.
وفي هذا الصدد، يصطدم هذا التوجه بمنافسة محتدمة من قبل عمالقة التكنولوجيا الذين يسارعون إلى إطلاق حلول صوتية مماثلة. وهو ما يجعل مستقبل شركة «ويسبر» مرتهناً بقدرتها الفنية على ابتكار برمجيات عالية الدقة والموثوقية تضمن استدامة ثقة المستخدمين وتوسيع نطاق حضورها. بعيدًا عن الاحتماء بزخم التمويلات الضخمة التي حصدتها مؤخراً.
علاوة على ذلك، تختزل مسيرة كوثاري تحولًا إستراتيجيًا ملهمًا من التجارب البرمجية المبكرة إلى بناء كيان تقني واعد في مجال الذكاء الاصطناعي الصوتي. إذ انتقل من بناء التطبيقات إلى تجربة الأجهزة الصلبة. قبل أن يُعيد توجيه بوصلته نحو الحلول البرمجية الذكية؛ ليركز اليوم، بالتزامن مع بلوغ تقييم «ويسبر» حاجز الملياري دولار. على تكريس الصوت كواجهة رئيسية للتفاعل الرقمي.


