شهدت الأسواق المالية العالمية اضطرابات غير مسبوقة في الأسابيع الأخيرة، مع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية على جبهات متعددة، أبرزها الهجوم الأمريكي على المواقع النووية الإيرانية. فيما دفعت هذه التطورات المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ حيث برز الذهب كخيار أول في ظل حالة عدم اليقين المتزايدة.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مستثمرين قولهم إن تصاعد الصراع بين إسرائيل وإيران بلغ ذروته في الأسبوع الثاني من يونيو 2025، عقب شنّ إسرائيل غارات جوية استهدفت منشآت نووية ومواقع صواريخ إيرانية. ما أسفر عن مقتل قادة عسكريين وعلماء نوويين، وتلا ذلك رد إيراني بهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية.
الهجوم الأمريكي على المواقع النووية الإيرانية
في وقت متأخر من مساء أمس السبت أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القوات الأمريكية استهدفت ثلاثة من المواقع النووية الرئيسية في إيران، محذرًا طهران من هجمات أكثر تدميرًا إذا لم توافق على السلام.
في حين أثار هذا الهجوم الأمريكي على المواقع النووية الإيرانية مخاوف واسعة من اندلاع حرب إقليمية أوسع في منطقة الشرق الأوسط. التي تعد شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي.
ونتيجة لهذا التصعيد ارتفعت أسعار الذهب بشكلٍ حاد؛ حيث اقترب سعر الذهب الفوري في الأسواق العالمية من أعلى مستوى تاريخي له عند 3,451 دولارًا للأونصة الأسبوع الماضي. بينما وصلت الأسعار في السوق المحلية للعقود الآجلة إلى مستوى قياسي بلغ 99,929 روبية لكل عشرة جرامات.

ويعكس هذا الارتفاع الحاد حالة القلق المتزايدة لدى المستثمرين، واللجوء إلى الذهب كملاذ آمن في ظل تصاعد حالة عدم اليقين. فمن المعروف تاريخيًا أن الذهب يستخدم كوسيلة تحوّط ضد المخاطر الجيوسياسية. وأكدت الأزمة الراهنة مجددًا مكانته كملاذ في الأوقات المضطربة.
صراع أوكرانيا وروسيا يزيد الضغوط على الأسواق
وبينما يهيمن الصراع بين إسرائيل وإيران على العناوين الرئيسية لا يزال النزاع المستمر بين روسيا وأوكرانيا يفرض ضغوطًا كبيرة على الأسواق العالمية. إذ أدى هذا الصراع المطوّل إلى تعطيل إمدادات الطاقة، وأضعف اقتصادات أوروبا. وساهم في تصاعد الضغوط التضخمية على مستوى العالم.
هذه العوامل عززت النظرة الإيجابية تجاه الذهب. فالمستثمرون باتوا أكثر حذرًا من استمرار حالة عدم الاستقرار وتداعياتها على النمو العالمي. ما دفعهم إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر والتوجه نحو الذهب.
الظروف الاقتصادية والسياسات النقدية
من ناحية أخرى أدت الظروف الاقتصادية الكلية دورًا حاسمًا في تحديد مسار أسعار الذهب. حيث جاءت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة أقل من المتوقع؛ فارتفع مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) بنسبة 0.1% فقط في مايو 2025. وهذا عزز التوقعات بأن يُقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة، ربما بحلول سبتمبر 2025.
كما يؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصول لا تدرّ عائدًا مثل الذهب. ما يزيد من جاذبيته للمستثمرين.
البنوك المركزية تعزز الطلب على الذهب
كذلك واصلت البنوك المركزية -لا سيما في الصين وروسيا- شراء الذهب الفعلي كجزء من إستراتيجيتها للابتعاد عن الاعتماد على الدولار الأمريكي. وأسهم هذا الطلب المستمر في ارتفاع أسعار الذهب بنسبة 29% منذ بداية هذا العام، فيما تجاوزت مكاسب الذهب 70% خلال العامين الماضيين.

الذهب في صدارة الملاذات الآمنة
وبالنظر إلى المستقبل فإن المحركات الأساسية لارتفاع الذهب، مثل: المخاطر الجيوسياسية، والمخاوف التضخمية، وتغيرات السياسات النقدية، لا تزال قائمة بقوة. وقد يدفع ذلك الذهب إلى التداول قرب مستوياته القياسية.
علاوة على ذلك أوجد التأثير المزدوج لحرب إسرائيل مع إيران وصراع أوكرانيا وروسيا مزيجًا خطيرًا من عوامل المخاطرة، من غير المرجح أن تزول قريبًا. ويؤكد الارتفاع الأخير في أسعار الذهب جاذبية المعدن الأصفر المستمرة كملاذ آمن خلال فترات الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.
ومع استمرار تداعيات الحرب بين إسرائيل وإيران والصراع الروسي الأوكراني من المرجح أن يحافظ المستثمرون على موقفهم المتفائل تجاه الذهب. ومع إشارات البنوك المركزية نحو سياسات تيسيرية، وتزايد المخاطر العالمية. يبقى الذهب حجر الزاوية في إستراتيجيات التحوّط الدفاعية في عام 2025.


