يُشكّل كتاب Why greatness cannot be planned للمؤلفان كينيث أو. ستانلي وجويل ليمان؛ باحثي الذكاء الاصطناعي في OpenAI، تحديًا جذريًا للأفكار التقليدية حول تحقيق الإنجازات العظيمة. ويزعم المؤلفان أن التركيز على الأهداف المحددة مسبقًا قد يعوق الابتكار والتقدم بدلًا من تعزيزه.
ويبدأ كتاب Why greatness cannot be planned بسؤال مثير للاهتمام: ماذا لو طُلب منك التخلي عن الاجتماعات والخطط التقليدية والتركيز -بدلًا من ذلك- على ما تجده مثيرًا للاهتمام؟ هذا السؤال يدفع القارئ للتفكير في طبيعة الإبداع والاكتشاف. أضف إلى ذلك يقدم الكتاب حجة قوية مفادها أن الأهداف، في العديد من الحالات، قد تكون مضللة وقد تحجبنا عن الحلول المبتكرة.
كتاب Why greatness cannot be planned
وفي حين قد يبدو هذا الادعاء متناقضًا مع الحكمة التقليدية إلا أن المؤلفان يدعمانه بأمثلة مقنعة. من ناحية أخرى يستشهدان بتاريخ العلوم والتكنولوجيا لإظهار كيف أن الاكتشافات العظيمة لم تكن نتيجة تخطيط دقيق، بل كانت وليدة الفضول والاكتشاف العشوائي. كذلك يستخدمون مثال متاهة افتراضية لتوضيح كيف أن التركيز على الهدف (الوصول إلى النهاية) قد يؤدي إلى سلوكيات غير فعالة.
بينما يشدد كتاب Why greatness cannot be planned على أهمية الابتعاد عن الأهداف التقليدية، فإنه لا يقترح التخلي عن كل التخطيط. كما يقدم المؤلفان خوارزمية تسمى “البحث عن الجدة” كبديل. هذه الخوارزمية لا تركز على تحسين هدف معين، بل تشجع على استكشاف السلوكيات الجديدة والمبتكرة.
هل تقيّد الأهداف الإبداع؟
تدور الأطروحة المركزية لكتاب Why greatness cannot be planned للمؤلف ستانلي حول فكرة مثيرة للجدل: هل الأهداف التي نسعى لتحقيقها تعيق قدرتنا على الإبداع والابتكار؟ يجادل ستانلي بأن التركيز الشديد على الأهداف المحددة مسبقًا قد يحد من نطاق تفكيرنا ويمنعنا من اكتشاف فرص جديدة غير متوقعة.
ويستخدم الكاتب استعارة شيقة لتوضيح وجهة نظره: تخيل عبور نهر عريض مغطى بالضباب. لا يمكن رؤية الضفة الأخرى بوضوح ولكن يجب علينا عبور النهر حجرًا حجرًا. يشبّه “ستانلي” الأهداف المحددة باختيار الحجر الذي يقربنا دائمًا من الضفة المبتدئة. بينما يرى أن المسار الحقيقي للنجاح قد يتطلب اتخاذ خطوات جانبية أو حتى الرجوع إلى الخلف.
الأهداف التقليدية مقابل الاستكشاف المفتوح
يؤكد “ستانلي” أن التركيز على الأهداف المحددة مسبقًا قد يضللنا عن اكتشافات حقيقية. ويستشهد بأمثلة تاريخية مثل: اكتشاف البنسلين وأجهزة الكمبيوتر. والتي لم تكن نتيجة لبحث موجه نحو هدف محدد، بل كانت نتائج غير متوقعة لاستكشاف مفتوح.
من ناحية أخرى يواجه القارئ صعوبة في قبول هذه الحجة دون دليل قوي. فبينما يقدم “ستانلي” أمثلة تاريخية إلا أنه يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على حجج أساسها التخمين، مثل: القول بأن “العالم الذي كان هدفه اختراع جهاز كمبيوتر حديث في القرن السابع عشر لن ينجح أبدًا”.
نقد أسلوب الكاتب وافتقار الدليل
في حين أن الأفكار المطروحة في الكتاب مثيرة للتفكير إلا أن أسلوب الكاتب يفتقر إلى العمق والتحليل. فبدلًا من تقديم أدلة قوية لدعم نظريته يميل “ستانلي” إلى التكرار والإطالة في شرح أفكاره الأساسية.
كذلك يلاحظ القارئ أن الكاتب يولي اهتمامًا زائدًا لمشروعه الخاص “Picbreeder” وهو تطبيق فني تعاوني. وبينما يعد مثالًا جيدًا على الاستكشاف المفتوح إلا أن التركيز المفرط عليه يقلل من قوة الحجة ويجعل القارئ يتساءل عما إذا كان الكاتب تعلق بفكرة واحدة وعممها على نطاق واسع.

هل تزدهر الشركات بالابتعاد عن الأهداف التقليدية؟
لطالما كان الحديث عن الأهداف هو محور أي خطة عمل أو استراتيجية مؤسسية. فالشركات تسعى جاهدة لتحقيق أهداف محددة وقابلة للقياس، معتقدةً أنها السبيل الوحيد للنجاح. ولكن هل هذا النهج التقليدي هو الأفضل حقًا؟
يطرح كتاب Why greatness cannot be planned تساؤلات حول جدوى التركيز المفرط على الأهداف، مؤكدًا أن المرونة والقدرة على التكيف قد تكونان أكثر أهمية في عالم الأعمال المتغير بسرعة.
-
القيادة التمكينية:
أحد أهم التغييرات التي يمكن للشركات تنفيذها هو تحول القيادة إلى نموذج تمكيني. بدلًا من القيادة المركزية التي تفرض الأوامر والسيطرة يمكن للقيادات أن تلعب دورًا محفزًا وملهمًا.
ومن خلال توفير بيئة عمل تشجع على الفضول والتجريب يمكن للفرق أن تتحرر من القيود وتستكشف أفكارًا جديدة. القادة في هذا النموذج لا يخشون الفشل، بل يعتبرونه جزءًا لا يتجزأ من عملية التعلم والنمو.
-
الاستراتيجية المؤسسية:
ينبغي أن تكون الاستراتيجية المؤسسية مرنة وقادرة على التكيف مع التغيرات المستمرة في السوق. وعوضًا عن وضع خطط طويلة الأجل جامدة يمكن للشركات تخصيص موارد محددة لمشاريع تجريبية وأفكار مبتكرة.
وهذا لا يعني التخلي عن التخطيط تمامًا، بل يعني بناء أساس قوي يسمح للشركة بالاستجابة للفرص التي تظهر بشكل غير متوقع.
-
تطوير الأفراد:
لتحقيق النجاح في هذا النهج الجديد يتعين على الشركات الاستثمار في تطوير موظفيها. وبالطبع فإن تشجيع الموظفين على توسيع آفاقهم واكتساب مهارات جديدة هو أمر بالغ الأهمية.
يتم تحقيق ذلك من خلال برامج تدريبية متنوعة، وفرص التدوير الوظيفي، وتهيئة بيئة عمل تعزز التعلم المستمر. هذا الاستثمار في الموظفين ليس مجرد تكلفة، بل هو استثمار في مستقبل الشركة.
-
الابتكار الجماعي:
تشجيع التعاون بين مختلف الأقسام هو مفتاح الابتكار. فعندما يجتمع أفراد من خلفيات مختلفة ويتبادلون الأفكار والخبرات، وينظرون إلى المشكلات من زوايا متعددة، فإن ذلك يؤدي إلى ظهور حلول مبتكرة.
تحقق الشركات ذلك عبر تنظيم ورش عمل مشتركة، وتكوين فرق عمل متنوعة، وتبني أدوات تكنولوجية تسهل التعاون عن بعد. أضف إلى ذلك أن ثقافة الشركة التي تشجع على تبادل الأفكار وتقدير المساهمات الفردية تلعب دورًا حاسمًا في تحفيز الابتكار الجماعي.
-
التجربة والتعلم من الأخطاء:
الخطأ ليس نهاية المطاف بل هو فرصة للتعلم والتطور. لذا يجب على الشركات أن تبني ثقافة تسمح للموظفين بالتحرك بحرية وتجربة أفكار جديدة دون الخوف من الفشل.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال توفير بيئة آمنة تسمح للموظفين بمشاركة أفكارهم بحرية، وتوفير الموارد اللازمة للتجريب؛ وتقدير الجهود المبذولة بغض النظر عن النتيجة.
كما ينبغي على القادة أن يكونوا قدوة في تقبّل المخاطر والتعلم من الأخطاء.
-
قياس النجاح بطرق جديدة:
النجاح لا يقاس بالأرقام فقط بل بالأثر الإيجابي الذي تحدثه المبادرات في الشركة والمجتمع. فبدلًا من التركيز على الأهداف المحددة مسبقًا يمكن للشركات قياس النجاح عن طريق تقييم مدى مساهمة المبادرات في تحقيق الرؤية طويلة الأجل للشركة، وتطوير المنتجات والخدمات، وتحسين العمليات. هذا التحول في المنظور يسمح لها بأن تكون أكثر مرونة واستجابة للتغيرات في السوق.
في ختام هذا الطرح، يقدم كتاب Why greatness cannot be planned تحديًا جوهريًا للأفكار التقليدية حول النجاح والابتكار. فبينما نعتاد على ربط الإنجاز بتحديد أهداف واضحة والعمل نحو تحقيقها يدعو الكتاب إلى إعادة النظر في هذه المقاربة. ويقدم حججًا مقنعة تدعم فكرة أن التركيز الزائد على الأهداف قد يقيد قدرتنا على التفكير خارج الصندوق واكتشاف فرص جديدة.
ويشجع الكتاب على تبني نهج أكثر مرونة واستكشافًا؛ حيث يتم تشجيع الأفراد والفرق على استكشاف اهتماماتهم وتجربة أفكار جديدة دون قيود الأهداف المحددة مسبقًا. ويقدم أدوات وأمثلة عملية لتطبيق هذه الفلسفة في بيئات العمل المختلفة.
ومع ذلك من المهم ملاحظة أن الكتاب لا يدعو إلى التخلي عن التخطيط تمامًا. بل يشدد على أهمية وجود رؤية واضحة واتجاه عام. ولكن مع ترك مساحة كافية للابتكار والتجريب. كما يقدم الكتاب تحذيرات من مخاطر الإفراط في التركيز على الاستكشاف العشوائي دون أي توجيه.


