يُمثل عالم الأعمال رحلة مثيرة مليئة بالكثير من التحديات والفرص الواعدة؛ ففي ظل التنافس المحتدم تصبح إدارة الأعمال بوصلة توجه المنظمات نحو تحقيق أهدافها وبلوغ آفاق جديدة من النجاح.
لا تُبنى الإدارة الناجحة على فراغ بل هي نتاج مبادئ راسخة وأساسيات متينة تشكل خارطة الطريق نحو تحقيق النجاح؛ من تخطيط استراتيجي مُحكم إلى إدارة فعالة للموارد البشرية والمالية، كل ذلك يُشكل لبنة أساسية في بناء صرح إداري ناجح.
ما إدارة الأعمال؟
تُعرّف كلية هارفارد للأعمال مفهوم إدارة الأعمال بأنه عملية تنسيق للأنشطة المتنوعة داخل الشركة لتحقيق أهدافها التجارية والمالية، وتشمل هذه العملية إدارة الموارد البشرية والمالية والمادية لضمان تحقيق الأهداف التي تضعها الإدارة العليا.
ولا يُخفى الدور المحوري الذي يؤديه مديرو الأعمال في تنفيذ خطط الشركة من خلال إدارة الفرق المختلفة والإشراف عليها لضمان أدائها بالطريقة المطلوبة، كذلك يقع على عاتقهم مسؤولية التأكد من امتلاك أعضاء الفريق المهارات اللازمة لإكمال مهامهم بنجاح.
رائد نظريات الإدارة الحديثة
يُعد هنري فايول؛ مهندس التعدين الفرنسي، أحد رواد نظريات الإدارة الحديثة؛ فقد اكتسب شهرة واسعة بلقبه “أبو نظريات الإدارة الحديثة”؛ لما قدمه من أفكار ثورية في مجال الإدارة وتنظيم العمل.
بدأ “فايول” مسيرته المهنية مهندسًا في شركة “كومينتري-فورشانبو ودي كازفيل” الفرنسية للتعدين، وبفضل مهاراته الاستثنائية وحنكته الإدارية تدرج في المناصب حتى أصبح المدير العام ثم مدير المنظمة خلال الفترة من 1888م إلى 1918م.
وفي مطلع الربع الثاني من عام 1916م نشر هنري فايول كتابه الشهير “الإدارة الصناعية العامة” الذي أصبح مرجعًا أساسيًا في نظريات الإدارة الحديثة وتنظيم الأعمال؛ حيث تضمن مجموعة من الأفكار والمبادئ التي يُمكن تطبيقها على جميع مستويات الإدارة وفي أي قسم، ولا تزال مبادئ إدارة الأعمال لهنري فايول يستخدمها بشكلٍ كبير العديد من المديرين والمنظمات؛ لضمان نجاح وفعالية أعمالهم.

مبادئ إدارة الأعمال
يُعدّ إتقان مبادئ إدارة الأعمال عنصرًا أساسيًا ومُهمًا لمديري الأعمال المتميزين؛ حيث تساعدهم هذه المبادئ بشكل فعال في تحقيق النجاح المنشود، وهذه بعض أبرز المبادئ:
-
تقسيم العمل
عادة ما يُدرك المدير الناجح أن كل موظف كالنحلة في خليتها؛ يتقن عمله وينجزه بدقة ومهارة، وليس من الضروري أن يتساوى اثنانِ في المهارة نفسها حتى لو تخرجا في جامعة واحدة، بل إن تفضيلاتهما تختلف.
إنّ تقسيم العمل بين العمال وفقًا لخبرتهم هو أحد مبادئ إدارة الأعمال التي تُساعد المدير في الاستفادة القصوى من قدرات موظفيه، وثمة ميزة أخرى لتقسيم العمل وهي أن كل عضو يؤدي المهمة نفسه بشكل متكرر؛ ما يحوله إلى خبير في مجاله، ويقلل من فرص الصراع بين الموظفين؛ لأن كلًا منهم يُركز على عمله الخاص.
-
السلطة والمسؤولية
لا تقتصر مسؤولية المدير الناجح على إصدار الأوامر فقط بل هي مسؤولية شاملة عن نتائج العمل؛ فليس بإمكانه أن يحمّل موظفيه مسؤولية إخفاقه؛ لأنه صاحب القرار؛ لذا ينبغي على المدير أن يولي عناية فائقة باختيار الفريق المناسب، ويدرك مهارات كل موظف؛ ليتكون فريق متكامل قادر على إنجاز جميع المهام.
-
الانضباط
بحسب نظريات هنري فايول الإدارية فإنه لا يُمكن إنجاز أي عمل بنجاح دون انضباط؛ فهذا المبدأ ينطبق على العمل كما ينطبق على الحياة بشكل عام؛ لذلك يجب على المدير أن يُؤكد أهمية الانضباط منذ البداية، ويوضح توقعاته من موظفيه في سلوكهم وطريقة عملهم.
ولا شك أن الانضباط في الأساس يبدأ من المدير نفسه، فهو قدوة لموظفيه؛ فعندما يلتزم المدير بكل القواعد ويُظهر الاحترام لكل عضو من أعضاء الفريق ينعكس ذلك بالتأكيد على سلوك الموظفين.
-
وحدة الأمر
تُشير نظريات هنري فايول الإدارية إلى أنه من الضروري ضمان حصول الموظفين على تعليماتهم من مصدر واحد؛ لضمان وضوح الرؤية وسرعة إنجاز العمل؛ فإذا تلقوا تعليمات من أكثر من شخص ستصبح الأمور مربكة إلى حدٍ كبير ولن يتم إنجاز أي عمل بنجاح، وتُعد وحدة الأمر من المبادئ الأساسية لإدارة الأعمال، خاصة في الشركات التي يديرها شركاء.
-
وحدة الاتجاه
في مُعظم الشركات تقريبًا نرى فِرقًا تعمل في اتجاهات متباينة كأنها سفن تبحر دون بوصلة؛ فكيف تنجز الأعمال إن لم تجتمع على هدف واحد؟ في الواقع كل قسم له مهامه ومسؤولياته، كالجسد الواحد الذي تُكمل أعضاؤه بعضها بعضًا، لا يعني ذلك الانعزال بل التفاعل والتعاون لتحقيق أهداف مشتركة؛ فالمدير الناجح هو من يوحّد الاتجاهات، ويوجه الفرق نحو هدف واحد.
-
تبعية المصلحة الفردية
قد يغرى بعض الموظفين في كثر من الأحيان بمصالحهم الشخصية، فيهملون مصلحة الفريق، لكن لا مكان للأنانية في العمل الجماعي؛ فالمدير الناجح يؤكد بشكلٍ دائم أن المصلحة المشتركة هي الأساس، وأن المصالح الفردية يجب تنحيتها جانبًا.
-
المكافأة
تؤكد نظريات هنري فايول الإدارية أن مكافأة الأداء الفردي الذي يُؤدي إلى نجاحِ الفريق واجبة؛ فهي تحفز الموظفين على بذل المزيد من الجهد، والمكافأة لا تقتصر على المال بل هي تقدير علني يُظهر للجميع أن الشركة تقدّر المتميزين.
-
المركزية
في مُعظم الشركات تتركز جميع القرارات في يد الإدارة العليا؛ ما يعوق عمل الموظفين ويحد من إبداعهم، فالمدير المستنير يؤمن باللامركزية، ويتيح للموظفين حرية اتخاذ القرارات؛ ما يُؤدي إلى مزيد من الإنتاجية والكفاءة.
-
تسلسل القيادات
ينبغي على الإدارة التنفيذية توضيح التسلسل الهرمي في الشركة؛ ما يعزز الثقة بين الموظفين ويُؤدي إلى التواصل الفعال، والمدير الناجح هو من يتقن فن التواصل، ويحافظ على احترامه وتقديره للموظفين في جميع مستوياتهم.
-
المساواة
في عالم الأعمال تُشكل المساواة نغمة موسيقية تُنسق بين جميع آلات الأوركسترا؛ فمعاملة كل موظف باحترام وتقدير، دون تمييز، تُشعل الحماس والإخلاص في قلوبهم، ويصبح العمل سيمفونية رائعة تُعزف على أوتار الرضا والتعاون، مُحققة أهداف الشركة ونموها.
-
المبادرة
لا تُوجد سيمفونية عظيمة دون إبداع عازفيها؛ فالمبادرة هي لحن يُضفي على الأداء نكهة فريدة، وتشجيع الموظفين على تبادل الأفكار والمشاركة في صنع القرار يثري العمل ويعزز روح الفريق.
في نهاية الطرح يُمكن القول إن إدارة الأعمال تُشكل في الأساس رحلة مثيرة تتطلب فهمًا وإتقانًا لمبادئها الأساسية، بدءًا من تقسيم العمل إلى وحدة الاتجاه، مرورًا بالمساواة والمبادرة، وصولًا إلى إتقان فن التواصل.
ولكن لا ينبغي أن تنسى أن إدارة الأعمال ليست مجرد علم يُدرس بل هي فن يُمارس بحب وشغف وإبداع وإتقان؛ فكن دائمًا أنت ذلك الفنان الرائع والمُبدع الذي يرسم لوحة رائعة بألوان التعاون والإنجاز والنجاح.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
إدارة التخطيط.. بوصلة النجاح في عالم متغير
التخطيط الإداري.. دوره في تحقيق الأهداف
القيادة بالنتائج.. هذا ما تحتاجه لقيادة فريقك


