أطلَّ علينا الصيف بأجوائه الحارة، فذهبت لشراء آيس كريم لي ولأسرتي، فاستشعرت منذ الوهلة الأولى قلة وزن وحجم العبوات عن ذي قبل، فهمستُ لنفسي: “إنه التضخم!”.
العالم كله يعاني الآن من التضخم؛ الأمر الذي دفع الشركات إلى تقليل أوزان منتجاتها كبديل لزيادة الأسعار، آملًا في حفاظ الزبائن على نفس معدلات الشراء، بل وزيادة أرباح تلك الشركات في ظل زيادة أسعار المنافسين الذين لم يعدلوا منتجاتهم.
هذا مثالٌ واحد لما فعله خبراء التسويق بالشركات الكبرى، ويُطلق عليه Shrinkflation ؛ أي تقليل حجم المنتجات؛ بهدف تقليص أثر التضخم على المبيعات؛ مثل كيس الشيبسي الذي قلَّ فيه عدد الرقاقات، ومعجون الأسنان الذي قلَّت كميته؛ حتى المناديل الورقية، والصابون، والزيوت، والمواد المطهرة، والزبادي، والحليب، وعبوات البسكويت والشيكولاتة، وغيرها.
دفعني ذلك إلى تبسيط مفاهيم الاقتصاد والتضخم للعامَّة والقارئ غير المتخصص عبر هذا المقال، استكمالا لمقال سابق بعنوان: ” أزمة سلاسل التوريد العالمية”؛ بسبب جائحة كورونا، ونشوب الحرب الروسية الأوكرانية التي ما زالت مشتعلة حتى الآن؛ لأعرض باختصار ماهية التضخم، وأسباب حدوثه، وكيفية معالجته، وما يجب على الحكومات العربية فعله.

يُعرف التضخم بشكل عام بالارتفاع المستمر في أسعار معظم المنتجات والخدمات؛ بسبب زيادة الطلب عليها، دون أن يقابلها زيادة في الإنتاج؛ وبالتالي انخفاض قيمة العملة المحلية، ثم انخفاض القوة الشرائية؛ ما يترك آثارًا سلبية على أفراد المجتمع من منتجين ومستهلكين، ومستوردين ومصدرين.
وقد يحدث ارتفاع في أسعار المنتجات؛ نتيجة ارتفاع أسعار مُدخَلات الإنتاج؛ ما يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الأرباح؛ ما يزيد الأمر سوءًا، فضلًا عن أن ارتفاع أسعار المنتجات سينتقل إلى جانب الصادرات؛ فينخفض التصدير؛ بسبب ارتفاع الأسعار.
وعادة ما تتجه الحكومات إلى علاج التضخم؛ بتعديل السياستيْن المالية والنقدية؛ مثل ترشيد الإنفاق الحكومي وخاصة الاستهلاكي؛ أما الإنفاق الاستثماري فيؤدي إلى تخفيض حدة التضخم؛ من خلال زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي.
ومن أدوات السياسة النقدية، قيام البنوك المركزية برفع سعر الفائدة؛ لسحب السيولة النقدية من الأسواق؛ ما يدفع المواطنين والمستثمرين إلى إيداع أموالهم في البنوك؛ فتنخفض السيولة النقدية ؛ ومن ثم الطلب والتضخم.
وأرى أنه ليس هناك وقت أفضل من الآن؛ لتدشين مشروع وطني -بكل دولة عربية- للاهتمام بالصناعة، وإحلال الواردات؛ فتقوم الجهات المختصة (مصلحة الجمارك، ووزارة الصناعة والتجارة، واتحاد الصناعات، واتحاد الغرف التجارية)، بإعداد قوائم وتصنيفات دقيقة لما يتم استيراده من المنتجات، ثم يضع خبراء الاقتصاد خطة طويلة الأمد لإحلال هذه الواردات بمنتجات وطنية بالتدريج؛ حتى تصل نسبة الإحلال إلى 50 % – 70 % مثلًا خلال 10 سنوات.

كم مليارًا من الدولارات سيتم توفيره؟ وكم شابًا سيتم توظيفه؟ هذا بخلاف تحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي كما أسهبت من قبل في مقال سابق بعنوان “إرادة وإدارة”، خاصة مع تشجيع الصناعات المغذية، وتكامل المنشآت الصغيرة مع الكبيرة، وتزويدها باحتياجاتها من قطع الغيار والخدمات المساندة كبديل عن الاستيراد من الخارج.
ولا يخفى على أحد أهمية مثل هذه الفرص الاستثمارية في تعزيز الاقتصاد الوطني عامة والصناعة الوطنية وتطويرها خاصة، علاوة على عدة فوائد؛ مثل: توليد الوظائف، والاستغناء عن أجور الشحن الدولي، وتخفيض مستوى المخزون، وتخفيض أجور المعاملات البنكية، وزيادة شبكة الموردين المحليين، ودعم الميزان التجاري، والأهم هو استثمار طاقة وحماس رواد ورائدات الأعمال بمنحهم النصيب الأوفر من الفرص الاستثمارية في أوطانهم.
اقرأ أيضًا:
فرص ريادية تنتظر رواد الأعمال بالأحساء
“المال لا يشتري السعادة”.. هل هي مقولة صحيحة؟
إدارة المعرفة.. والنهوض بالمؤسسة


