رغم ما يوفره العمل عن بعد من مرونة واستقلالية والتخلص من مشقة التنقل اليومي، تشير أبحاث حديثة إلى أن الابتعاد عن المكتب قد يترك آثارًا سلبية على الموظفين في بداية حياتهم المهنية، خاصة فيما يتعلق بالتعلم والتطور الوظيفي وفرص الترقية.
وخلص تقرير صادر هذا الشهر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أن العمل عن بُعد قد يكون أحد الأسباب الرئيسة وراء ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
كما أظهرت دراسة محدثة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن انتشار العمل عن بُعد يجعل من الصعب على الموظفين الأصغر سنًا الحصول على التوجيه والتقييمات المستمرة اللازمة للتقدم المهني.
مخاطر مهنية لا تظهر فورًا
تقول ميغان هيليرر؛ المدربة التنفيذية ومؤلفة كتاب «الحياة الموجهة»، إن جزءًا كبيرًا من التعلم في المراحل الأولى من الحياة المهنية يأتي من الملاحظة غير المباشرة والتفاعل اليومي مع الزملاء.
وأضافت: «في بداية المسيرة المهنية، يتعلم الموظفون من مراقبة كيفية إدارة الاجتماعات، والتعامل مع الخلافات، وبناء العلاقات المهنية، واتخاذ القرارات المهمة. ومن الصعب تكرار هذه اللحظات عبر تطبيقات مثل سلاك أو زووم».
من جانبه، يرى جوزيف فولر، أستاذ الممارسات الإدارية في كلية هارفارد للأعمال، أن مزايا العمل عن بُعد واضحة للجميع، لكن مخاطره أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا مما يعتقد كثيرون.
التعلم بالملاحظة يفقد مكانه
وقد أظهرت دراسة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن مهندسي البرمجيات الذين يجلسون بالقرب من زملائهم في العمل. يحصلون على ملاحظات وتقييمات أكثر بنحو 18% مقارنة بغيرهم. كما تتحسن جودة أعمالهم بصورة ملحوظة.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه المكاسب. تتركز بصورة خاصة لدى الموظفين الأصغر سنًا والأقل خبرة. ما يعزز أهمية الحضور الفعلي في بيئة العمل خلال السنوات الأولى من المسار المهني.
ثلاثة أيام في المكتب قد تصنع الفارق
يقول نيكولاس بلوم؛ أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد. والمتخصص في دراسة آثار العمل عن بعد. إنه ينصح طلابه بالحضور إلى المكتب ثلاثة أيام أسبوعيًا على الأقل. خلال السنوات الخمس الأولى من حياتهم المهنية.
وأوضح أن هذا النمط يوفر توازنًا مناسبًا بين المرونة والتطور المهني. كما أضاف أن العمل عن بعد بشكل كامل في بداية المسيرة المهنية ليس الخيار الأمثل.
ويرى بلوم أن الغياب الكامل عن المكتب يحرم الموظفين من فرص التوجيه وبناء العلاقات المهنية والتعلم من سلوكيات الآخرين وأساليب عملهم.
وقال: «الكثير من التعلم يحدث بصمت من خلال المراقبة اليومية؛ مثل فهم ثقافة العمل، وطريقة تواصل الزملاء، وأسلوب استخدام الأدوات والبرامج المختلفة».
المهارات الاجتماعية تحت الاختبار
وبحسب «فولر»، فإن التواجد في المكتب ولو لبضعة أيام أسبوعيًا يساعد الموظفين الشباب على تطوير مهارات التواصل. والعرض والتفاوض وحل النزاعات. وهي مهارات تلعب دورًا حاسمًا في الترقيات المستقبلية.
وأضاف أن التفاعل الذي يقتصر على الاجتماعات الافتراضية لا يوفر فرصًا كافية لصقل المهارات الاجتماعية.
وأشار إلى أن المديرين يقيمون هذه المهارات من خلال الملاحظة المباشرة وليس عبر شاشات الحاسوب فقط.
هل تستحق الوظيفة الأعلى أجرًا؟
يرى دوغلاس بونابارث؛ المستشار المالي المعتمد ومؤسس شركة «بون فايد ويلث»، أن بعض الموظفين الشباب قد يستفيدون أكثر من وظيفة هجينة ذات راتب أقل. مقارنة بوظيفة تعمل بالكامل عن بُعد مقابل أجر أعلى.
وأوضح أن العمل إلى جانب أشخاص ذوي خبرة وقدرات عالية يسرع عملية التعلم. كما يؤدي غالبًا إلى زيادات في الرواتب وترقيات تتجاوز فارق الأجر الأولي خلال سنوات قليلة.
وأضاف أن الأولوية يجب أن تكون دائمًا للوصول إلى الأشخاص المناسبين واكتساب الخبرة منهم.
وقال: «قد تكون وظيفة عن بُعد مع مدير متميز أفضل من مكتب يفتقر إلى القيادة الجيدة. كما أن الوظيفة الهجينة لا تستحق عناء التنقل إذا كان الإشراف ضعيفًا».
كيف يعوض الموظفون عن بُعد غياب المكتب؟
ورغم هذه التحديات، يؤكد الخبراء أن العمل عن بعد يظل الخيار الأفضل لبعض الأشخاص. خاصة من لديهم ظروف صحية أو التزامات رعاية أسرية. تجعل الحضور المنتظم إلى المكتب أكثر صعوبة.
وتنصح هيليرر الموظفين العاملين عن بُعد بتطبيق ما تسميه «إبراز الإنجازات بصورة مضاعفة». من خلال إرسال تقارير أسبوعية منتظمة إلى المديرين تتضمن أبرز الإنجازات والتقدم المحقق في العمل.
كما توصي بتنظيم لقاءات افتراضية قصيرة. وغير رسمية مع المديرين والزملاء لتعويض غياب التفاعل اليومي داخل المكتب. إضافة إلى تخصيص زيارات دورية للمقر الرئيسي تركز على بناء العلاقات المهنية. وتوسيع شبكة المعارف.
وتختتم «هيليرر» قائلة: «الهدف ليس الاختيار بين المرونة والتطور المهني. بل إيجاد الطريقة التي تسمح بتحقيق الأمرين معًا».
المصدر: CNBC


