الفضول الحقيقي يتطلب منا أن نهدئ من سرعتنا ونشكك في الافتراضات التي قد لا ندرك حتى أننا نعتنقها. وذلك بهدف تجنب هذه الافتراضات، وعدم التسرع في الحصول على النتائج أو إصدار الأحكام. وبدلًا من ذلك الاستماع من أجل الفهم. هذا ليس بالأمر السهل؛ فهو يتطلب الانضباط والنية والممارسة.
بالنسبة لي يبدأ الفضول بفحص داخلي: ما الذي أعتقد أنني أعرفه. ولكنني في الواقع لا أعرفه؟ ما يسمح لي بالتوقف قليلًا. وإعادة النظر والسماح لنفسي بطرح المزيد من الأسئلة، بشرط أن تكون أسئلة توقف عن طرحها الغالبية العظمى من الحاضرين.
فإذا كنت على استعداد لمواجهة نقاط ضعفك يساعدك ذلك على الدخول في محادثات أكثر ثراء مع الآخرين.
أيضًا لا يعني الفضول جمع المزيد من المعلومات. بل يعني الاكتشاف والمساهمة في توفير نوع من الأمان النفسي في الفريق. حيث يمكن طرح تلك الأسئلة واستكشافها دون خوف. بالإضافة إلى استخدام تلك الأسئلة لكشف الأفكار التي قد لا يتم التعبير عنها تلقائيًا.

الفضول..مهارة القادة والرواد
غالبًا ما تكون الحلول التقليدية غير كافية. إذ يواجه القادة اليوم تحديات شديدة التعقيد، ونادرًا ما تدوم الحلول السريعة.
كما أن تطوير الفضول كنظام يساعد القادة على مقاومة إغراء الاعتماد على ما يعرفونه بالفعل. فيما يمكّنهم الفضول من استكشاف وجهات نظر جديدة.
إن ممارسة الفضول لا تقتصر على صقل عملية اتخاذ القرار فقط. بل إنها تغذي الابتكار وتقوي الثقافة وتبني المرونة. كذلك عندما يطرح القادة أسئلة عميقة فإنهم يظهرون مدى اهتمامهم. ويرسلون إشارة قوية مفادها بأن الاستكشاف له قيمة أكبر من اليقين.
فن طرح الأسئلة
تعكس الأسئلة العشرة التالية إطار عمل لتحديد عوائق الفضول والتغلب عليها. بالإضافة إلى تشجيع الاستفسار الأعمق، وتعزيز المحادثات الأكثر ابتكارًا وجاذبية.
وهي مقتبسة من عمل الدكتورة ديان هاميلتون؛ مؤلفة كتابي “Cracking the Curiosity Code” و”Curiosity Unleashed”.
سؤال “القطعة المفقود”
ما الذي ينقصنا هنا؟ يفتح هذا السؤال نقاطًا عمياء. ويتحدى الافتراضات ويكشف عن رؤى تم تجاهلها.
سؤال “القلق غير المعلن”
ما الذي لا نتحدث عنه، ولكن يجب أن نتحدث عنه؟ يوفر هذا السؤال أمانًا نفسيًا من خلال السماح بظهور المخاوف الخفية.
سؤال “التأثير المتتالي”
إذا اتخذنا هذا القرار فماذا يمكن أن تكون العواقب من الدرجة الثانية أو الثالثة؟ يدفع هذا السؤال الفريق إلى التفكير بما يتجاوز النتائج الفورية.
سؤال “المقاومة”
ما الذي قد يجعل شخصًا ما يتردد في دعم هذه الفكرة؟ هذا السؤال يبرز العوائق المحتملة والشكوك في وقت مبكر.
سؤال “فجوة الفضول”
ما الذي لا نزال لا نعرفه، ولكننا بحاجة إلى معرفته قبل المضي قدمًا؟ هذا السؤال يفصل بين الحقيقة والافتراض. ويبرز المجالات التي تحتاج إلى مزيد من الاكتشاف.
سؤال “التوافق”
كيف يرتبط هذا بأهدافنا أو غاياتنا الأكبر؟ يضمن هذا أن تظل الأفكار مرتبطة بالرؤية والرسالة.
سؤال “دعوة الاختلاف”
من يرى هذا بشكل مختلف؟ يشجع هذا السؤال على تنوع وجهات النظر ويقلل من التفكير الجماعي.
سؤال “التعاطف”
إذا كنت مكان العميل أو الموظف، كيف تشعر؟ ذلك السؤال يعزز الذكاء العاطفي وقدرة فهم وجهة نظر الآخرين.
سؤال “البساطة”
ما أبسط طريقة يمكننا من خلالها تحقيق نفس النتيجة؟ هذا السؤال يزيل التعقيد ويثير بدائل إبداعية.
سؤال “منظور المستقبل”
إذا نظرنا إلى الوراء بعد عام من الآن، ما الذي كنا نود أن نسأله اليوم؟ يساعد هذا السؤال على تجاوز التفكير قصير المدى إلى التبصر.
تحويل الفضول من مهارة إلى عادة
في ممارستي الخاصة لا أستخدم هذه الأسئلة كقائمة مرجعية بل كمحفزات. وعندما أشعر بأن المحادثة وصلت إلى طريق مسدود ألجأ إلى أحد هذه الأسئلة للمساهمة في فتح آفاق جديدة للتفكير.
وعندما أشعر بأن القرار متسرع أستخدمها لتهدئة العملية وإبراز ما قد لا يقال لولا ذلك. فالقضية لا تكمن في طرح هذه الأسئلة بل في الاستماع بعمق إلى الإجابات.
وفي كثير من الأحيان نسأل بدافع العادة وليس الاهتمام الحقيقي. الفضول الحقيقي يتطلب الصبر والتواضع والاستعداد لمتابعة الخيط أينما قادنا.
وفي عالم سريع الوتيرة والتطور لم يعد الفضول قرارًا اختياريًا للقادة؛ بل أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. والمنظمات التي تقدر الفضول تكون أكثر استعدادًا للتكيف والابتكار والازدهار.
كما أن القادة الذين يجسدون الفضول يشجعون فرقهم على الاندماج في التعلم المستمر وتحدي الوضع الراهن وتقبل التعقيد.
لذا من خلال ممارسة الفضول فإننا نفعل أكثر من مجرد صقل مهاراتنا القيادية. نحن نولّد ثقافة ترحب بالأسئلة الأعمق وتحتفي بها.
وفي تلك الثقافة نجد الأفكار والابتكارات والروابط التي تساعدنا على مواجهة تحديات اليوم والاستعداد لتحديات الغد. شكرًا جزيلًا لديان هاميلتون على عملها الرائع في هذا المجال.
بقلم: ليو بوتاري
المصدر: من هنـا

