يدفع تراجع الأسواق الشركات التي تقود الطفرة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تأجيل خطط جمع التمويل أو تحمل تكاليف أعلى للحصول على رأس المال.
وذلك في ظل مطالبة المستثمرين بأدلة على قدرة هذه الشركات على استيعاب ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف القدرة الحاسوبية.
بينما يأتي هذا التحول في وقت يعيد فيه المستثمرون تقييم قدرة الشركات المتسارعة. في بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تبرر الإنفاق المتزايد على القدرة الحاسوبية والأراضي والطاقة.
وخلال الأسبوع الماضي وحده، ومع تراجع أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهبوط ديون شركة «كور ويف» المشغلة لمراكز البيانات إلى مستويات تقترب من الأسعار المتعثرة، جرى سحب أو تعليق خطط إدراج صناديق استثمار عقاري تابعة لشركة «إير ترانك» المدعومة من «بلاكستون»، وشركة «فيرمس» المدعومة من «إنفيديا»، وشركة «إس بي إنرجي» المدعومة من «سوفت بنك».
وقال محللون إن التدقيق المتزايد لا يعرقل الاستثمارات في القطاع. لكنه يدفع المستثمرين إلى التمييز بصورة أكثر وضوحًا بين نماذج الأعمال ومستويات مخاطر التنفيذ.
وقال هاري إيفانز؛ الشريك في مكتب المحاماة «فريشفيلدز»، إن «النقاش تحول من النمو بأي ثمن إلى التركيز بصورة أكبر بكثير على الجودة».
وأضاف إيفانز أن نشاط الصفقات قد يحافظ على قوته حتى العام المقبل، مدعومًا بوجود عدد كبير من الصفقات المحتملة.
ومع ذلك، تكشف تعثرات الإدراج الأخيرة عن تزايد التدقيق في التقييمات المالية ومستويات الاقتراض ونماذج الأعمال.
صفقات مراكز البيانات تواصل النمو رغم التحديات
لا تزال عمليات الاندماج والاستحواذ المرتبطة بمراكز البيانات في آسيا. تسير نحو تسجيل مستوى قياسي خلال العام الجاري. إذ بلغت قيمتها 21.3 مليار دولار حتى يوم الثلاثاء، وفقًا لبيانات «ديلوجيك».
في حين يزيد ذلك على ضعف قيمة الصفقات المسجلة طوال عام 2025، والبالغة 10 مليارات دولار.
كما ظل تمويل الديون قويًا. إذ بلغ إجمالي القروض المشتركة وإصدارات السندات 22.3 مليار دولار منذ بداية العام الجاري.
في المقابل، تراجع جمع التمويل عبر أسواق الأسهم في القطاع إلى 5.4 مليار دولار منذ بداية العام. بانخفاض 4.6% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وقال نيكولاس توان؛ مدير الخدمات الاستشارية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى شركة «سافيلز» للخدمات العقارية. إن الطروحات العامة الأولية غالبًا ما تسعى إلى الاستفادة من الزخم الإعلامي. لأنها تستهدف في الأساس جذب طلبات اكتتاب تتجاوز الأسهم المطروحة.
وأضاف: «قد لا تكون هناك قيمة أساسية حقيقية للأصول عند التدقيق في التفاصيل».
وكانت شركة «فيرمس» تستهدف جمع 5 مليارات دولار في طرح كان سيصبح ثاني أكبر إدراج في سوق الأسهم الأسترالية. لكنها واجهت صعوبة في إقناع المستثمرين بقدرتها على تحقيق توقعات الإيرادات الطموحة، في وقت تتحمل فيه ديونًا تبلغ نحو 30 مليار دولار.
وفي الشهر الماضي، عزت شركة «هولتيك» المتخصصة في الخدمات النووية. قرارها سحب خطة إدراجها في الولايات المتحدة إلى ما وصفته بـ«عاصفة مثالية»، مدفوعة أساسًا بحالة عدم اليقين بشأن الطلب على مراكز البيانات.
ارتفاع الفائدة يضغط على التقييمات
تقف زيادة تكاليف الاقتراض في قلب موجة التدقيق الجديدة.
وسجلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات الشهر الماضي أكبر ارتفاع فصلي لها خلال القرن الحالي. ما دفع المستثمرين إلى التدقيق في قدرة الإيرادات المتوقعة على تغطية أعباء الديون المتزايدة، بحسب مصرفيين.
وحذر غاري غو؛ الرئيس التنفيذي لشركة «سبرينت دي سي كونسلتينغ». المتخصصة في استشارات مراكز البيانات بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومقرها كوالالمبور، من أن ارتفاع تكاليف التمويل قد يؤدي إلى تصحيحات حادة في تقييمات الشركات.
وقال مصرفي يقدم المشورة للمستثمرين في مراكز البيانات إن التقييمات. قد تختلف بصورة كبيرة وفقًا لما إذا كانت تستند إلى عقود العملاء الحالية أو توقعات الإيرادات المستقبلية، وما إذا كانت احتياجات الإنفاق الرأسمالي محسوبة بالكامل.
وأضاف المصرفي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث علنًا: «لا توجد مراكز بيانات مبنية بالقدر الكافي على الإطلاق لتلبية الطلب. ولا يزال المستثمرون يضخون أموالهم في القطاع، لكن السؤال هو: عند أي تقييم؟».
تكاليف الطاقة والأراضي تزيد مخاطر التنفيذ
كما يتجه المستثمرون إلى التدقيق بصورة أكبر في مخاطر تنفيذ المشروعات.
وإلى جانب ارتفاع تكاليف الكهرباء والمياه، يواجه مطورو مراكز البيانات معارضة متزايدة في بعض الأسواق بسبب استهلاك الكهرباء والضوضاء والمخاوف البيئية. ما يزيد حالة عدم اليقين التنظيمي المحيطة بالمشروعات الجديدة.
كذلك قال مسؤول في شركة أمريكية تستثمر في منصات مراكز البيانات الآسيوية. إن تأمين الأراضي المناسبة وإمدادات الطاقة أصبح أكثر صعوبة في بعض الأسواق.
ولفت إلى أن شركته شددت معايير تقييم الاستثمارات بسبب المخاطر الجيوسياسية ومخاطر السياسات. ومع ذلك، لا تزال صفقات كبرى تمضي قدمًا.
ومن المتوقع أن تطرح شركة «داي ون»، ومقرها سنغافورة، أسهمها للاكتتاب العام في أقرب وقت خلال نوفمبر. مستهدفة جمع ما يصل إلى 5 مليارات دولار، وفقًا لما أوردته «رويترز» في سبتمبر. ولم ترد الشركة على الفور على طلب للتعليق.
صفقات بمليارات الدولارات رغم الحذر
تقترب «إير ترانك»، رغم تأجيلها إدراج صندوق استثمار عقاري كان مخططًا له. من إبرام صفقة لبيع مركز البيانات التابع لها في جوهور بماليزيا إلى مجموعة من المستثمرين، من بينهم صندوق التقاعد المحلي «كواپ»، عند تقييم يبلغ نحو مليار دولار، وفقًا لشخصين مطلعين على الأمر.
كما تلقت «باين كابيتال» عروضًا نهائية للاستحواذ على حصة لا تقل عن 40% من منصة «بريدج داتا سنترز» التابعة لها، والتي تدير مراكز بيانات في أنحاء آسيا، في صفقة قد تقدر قيمة الشركة بنحو 5 مليارات دولار، بحسب شخصين على دراية بعملية البيع.
ومع ذلك، يرجح أن يواصل المستثمرون التمييز بين الشركات الراسخة التي تشغل مراكز بيانات بالجملة وتتمتع بالتزامات طويلة الأجل من العملاء وإيرادات مستقرة. وبين الشركات الأعلى مخاطرة، المعروفة باسم «نيوكلاودز»، ومطوري مجمعات الذكاء الاصطناعي، بحسب جون دينسديل؛ كبير المحللين لدى «تيك إنسايتس».
وقال دينسديل إن «السؤال بالنسبة إلى المستثمرين لم يعد يتعلق بمدى نمو الطلب بقدر ما يتعلق بنماذج الأعمال والشركات الأكثر قدرة على الاستفادة من هذا النمو بصورة مستدامة».
المصدر: رويترز


