رفع مديرو الصناديق العالمية حيازاتهم من السيولة النقدية خلال شهر سبتمبر، بالتزامن مع انخفاض الإقبال على الأسهم الدولية ومواصلة تقليص الاستثمارات في السندات.
وذلك في مؤشر يعكس تحولًا إستراتيجيًا نحو الحذر عقب الارتفاعات القياسية التي سجلتها الأسواق المالية خلال الفترة الأخيرة.
وفي هذا الصدد، أظهر مسح أجراه «بنك أوف أمريكا» وشمل 170 مدير صندوق يديرون أصولًا بقيمة 470 مليار دولار، ارتفاع نسبة السيولة في المحافظ من 3.5% في أغسطس إلى 3.9% في سبتمبر. مسجلة أكبر زيادة شهري منذ مارس؛ وذلك هبوطًا بنسبة التركيز على الأسهم العالمية من 56% إلى 49%.
علاوة على ذلك، يبرز هذا التحول تجدد قناعة المستثمرين بجدوى الاحتفاظ بمستويات أعلى من الأموال السائلة، تفاديًا لزيادة الانكشاف على الأصول مرتفعة التقييم. وهو ما يجعل إدارة السيولة النقدية المعيار الأكثر دلالة على توجهات المحافظ الاستثمارية الكبرى في الوقت الراهن.
ارتفاع السيولة وتراجع الإقبال على الأسهم
أظهر المسح أن زيادة السيولة النقدية جاءت بالتزامن مع تراجع نسبة مديري الصناديق الذين يركزون على الأسهم العالمية من 56% إلى 49%. وهو ما يعكس انخفاض الإقبال على جعل الأسهم محورًا رئيسًا لتوزيع الأصول. على الرغم من المكاسب المتواصلة التي سجلتها الأسواق خلال الفترة الأخيرة.
وفي المقابل، يمنح الاحتفاظ بنسبة أعلى من الأموال النقدية المستثمرين مرونة أكبر لاقتناص الفرص المستجدة. فضلًا عن تقليل الانكشاف على تقلبات الأسواق.
ولا يعني هذا التوجه خروجًا شاملًا من الأصول المالية. بقدر ما يعبر عن إعادة إعادة توزيع متوازنة للمستحقات بين الأدوات المختلفة.
وتأتي هذه الخطوة عقب الصعود القياسي للأسهم الدولية؛ حيث اتجه جانب من المستثمرين إلى جني وتأمين جزء من الأرباح المحققة. بما يشير إلى أن رفع مستويات السيولة يرتبط بإعادة ضبط المحافظ الاستثمارية. والتريث لحين اتضاح الرؤية قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن إعادة ضخ الأموال.
السندات تحت ضغط المستثمرين العالميين
لم يقتصر هذا التحول الإستراتيجي على سوقي الأسهم والسيولة النقدية فحسب، بل امتدت آثاره بوضوح إلى سوق السندات.
وكشف المسح عن أن 48% من المشاركين يتجهون نحو تقليص استثماراتهم في أدوات الدَّين. مسجلين بذلك أعلى مستوى للتحفظ تجاه هذا القطاع منذ مايو 2022. بما يعكس استمرار عزوف مديري الصناديق الاستثمارية عن زيادة الانكشاف على هذه الأصول.
وفي هذا الصدد، واصل المستثمرون العالميون خفض مخصصاتهم الموجهة للسندات للشهر السابع عشر على التوالي.
وهي دلالة لافتة تؤكد أن مسار التقليص يجاوز كونه رد فعل مؤقت أو مناورة قصيرة الأجل. ليتحول إلى اتجاه هيكلي ممتد يعكس إعادة رسم خارطة المحافظ الاستثمارية على المدى المتوسط.
وبالإضافة إلى ذلك، تتشابك قرارات تقليص الانكشاف السندي مع القراءات المستجدة لتوقعات العوائد ومسارات السياسات النقدية.
ويترجم هذا الاتجاه المتواصل إعادة تقييم شاملة لجاذبية السندات مقارنة بالبدائل الاستثمارية المتاحة. إلى جانب رغبة مديري الأصول في الاحتفاظ بمرونة أكبر لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
موقف المستثمرين من إعادة شراء السندات
وكشف المسح عن أن نحو نصف المشاركين يتوقعون غياب أي تأثير ملموس لبرنامج وزارة الخزانة الأمريكية لإعادة شراء السندات في مستويات عوائدها. وهو ما يبرز تحفظ المستثمرين تجاه فاعلية هذه الآلية في تغيير اتجاهات سوق الدَّين، على الرغم من أهميتها الهيكلية لآليات التداول.
وفي هذا الصدد، تتشابك قرارات مديري الصناديق عبر منظومة متكاملة من التوازنات. إذ تزامن الارتفاع في حجم السيولة النقدية مع تراجع التركيز على الأسهم العالمية ومواصلة تقليص الاستثمارات في السندات.
علاوة على تباين التقييمات حول انعكاسات برنامج إعادة شراء الأوراق المالية الحكومية.
وترسم هذه المعطيات بمجملها ملامح إعادة هيكلة تدريجية للأولويات الاستثمارية عالميًا. فبعد موجة الصعود التي شهدتها أسواق الأسهم، اتجهت المحافظ نحو تأمين الأرباح وتعزيز النقدية.
وهذا بالتوازي مع التراجع المستمر في الانكشاف على السندات للشهر السابع عشر على التوالي. لتصبح تحركات السيولة المؤشر الأكثر دلالة على توجهات رؤوس الأموال.


