يُشبه استثمار أو استحواذ المستثمرين على الشركات الناشئة، كرحلة للبحث عن كنز ثمين، فمن خلال استثمار مبدئي محدود، تُتاح الفرصة لتحقيق عوائد هائلة مع تحول المشروع الناشئ إلى مُربح.. ورغم ذلك ليس كل مشروع ناشيء يُكتب له النجاح.
مخاطر عالية وعوائد مجزية
أظهرت إحصائيات المكتب الوطني للإحصاء (ONS) في المملكة المتحدة، أن 10 % من المشاريع الناشئة تفشل في عامها الأول، في حين تصمد 40 % فقط لأربع سنوات أو أكثر.
على الرغم من المخاطر المُرتفعة، إلا أن الاستثمار في المشاريع الناشئة يقدم أيضًا مزايا فريدة تجذب المستثمرين، فوفقًا لشركة Verve Ventures، ينجذب 42 % من المستثمرين إلى هذا المجال بشكلٍ أساس؛ بسبب إمكانية تحقيق عوائد مالية مجزية.
وعلاوة على كل هذه المكاسب المالية، تُتيح استثمارات الأعمال التجارية الناشئة تجربة غنية وفريدة من نوعها لاكتساب المزيد من الخبرات وتعلم مهارات جديدة، كما أنها تُساهم في دعم ريادة الأعمال وتعزيز الابتكار، ما يُتيح للمستثمرين فرصة إحداث تأثير إيجابي على مجتمعاتهم.
رحلة خروج الشركات الناشئة
في عالم المشاريع الناشئة، يُمثل “خروج” الشركة (Exit) حدثًا هامًا يشير إلى انتهاء مرحلة أساسية من رحلتها، وبدء مرحلة جديدة مليئة بالتحديات والفرص، فما هو “خروج” الشركة الناشئة؟
ببساطة، يُشير “خروج” المشروع الناشئ إلى بيع المستثمرين الأفراد، جميع أسهمهم في الشركة، إيذانًا بانتهاء استثمارهم فيها، وعادة ما يأتي هذا “الخروج” بأشكال متعددة، تشمل:
- الاستحواذ: تشتري شركة أخرى جميع أسهم المؤسسين والمستثمرين في المشروع الناشئ، ويُعد هذا الخيار الأكثر شيوعًا، ويُتيح للمؤسسين والمستثمرين تحقيق عائد مادي كبير على استثماراتهم.
- الاندماج: تندمج شركتان لتشكيل كيان جديد وموحد، بالطبع قد يحدث ذلك بين شركتين ناشئتين أو بين شركة ناشئة وأخرى قائمة، ولكن نادرًا ما تحدث هذه العملية.
- الطرح الأولي العام (IPO): عندما تطرح الشركة أسهمها للاكتتاب العام، ما يعد إنجازًا هامًا يسمح لها بجمع رأس مال جديد هائل لمواصلة مسيرتها، مع تحقيق عائد للمستثمرين والموظفين والمؤسسين الأوائل.
دوافع “خروج” الشركة الناشئة
تتعدد دوافع سعي المشاريع والمؤسسات الناشئة إلى “الخروج” من طورها الحالي، ونذكر منها:
- تحقيق الأرباح: يُعد تحقيق عائد مادي مجز على الاستثمار هو الدافع الأكبر والأساسي للمستثمرين، و”خروج” المشروع الناشئ يُتيح لهم تحقيق ذلك بكل سهولة.
- النمو والتوسع: قد تفضل بعض المشاريع الناشئة “الخروج” بشكلٍ كامل من أجل الحصول على رأس مال جديد يُساعدها على تمويل خططها للنمو والتوسع.
- الحصول على الخبرات: من خلال “الخروج” من طورها الحالي، قد يتمكن المشروع الناشئ من الاستفادة من خبرات ومهارات شركة أخرى أكبر وأكثر خبرة في السوق.
- التقليل من المخاطر: في كثير من الأحيان تلجأ بعض الأعمال التجارية الناشئة إلى فكرة “الخروج” من أجل تقليل المخاطر المرتبطة بالاستمرار في العمل بشكل مستقل.
ماذا يحدث عندما يتم الاستحواذ؟
يهيمن الاستحواذ على المشهد كأكثر الطرق شيوعًا لخروج المشاريع الناشئة من عالم الأعمال؛ حيث تشتري شركة قائمة مشروعًا ناشئًا آخر، غالبًا مقابل مبالغ مالية كبيرة. في الواقع يُمثل هذا الاستحواذ عائدًا ماليًا مجزيًا للمؤسسين والمستثمرين، ويُعدّ بمثابة علامة فارقة في مسيرة الشركة الناشئة.
تختلف دوافع الاستحواذ من صفقة إلى أخرى، فمن منظور الشركة المُستحوِذة، قد يُمثل الاستحواذ خطوة استراتيجية للحصول على تكنولوجيا المشروع الناشئ أو خبرته في مجال معين أو قاعدة مستخدميه. بعض الحالات، قد تستمر الشركة المُستحوذة في العمل بشكل مستقل تحت اسمها الأصلي مع مالكين جدد، وقد تؤدي صفقات أخرى إلى دمج كامل واختفاء اسمها.
لا تقتصر عمليات الاستحواذ على الشركات العامة العملاقة، مثل: جوجل أو أمازون، بل تشمل أيضًا شركات خاصة، مثل: استحواذ Republic على Seedrs، وتختلف شروط كل صفقة استحواذ؛ حيث قد تتضمن مزيجًا من النقد والأسهم في الشركة المُستحوذة.
وبالطبع، يُعد الاستحواذ علامة فارقة في مسيرة المشاريع الناشئة؛ حيث يُمثل خروجًا ناجحًا من عالم الأعمال، ويُتيح للمؤسسين والمستثمرين تحقيق عائد مالي على استثماراتهم، كما يُتيح الاستحواذ للمشاريع الناشئة الوصول إلى موارد ومُهارات جديدة، ما يساهم في نموها وتطورها.

دور المستثمرين في الشركات الناشئة
يُمثل المستثمرون أكثر من مجرد مُمولين للمشاريع الناشئة، فهم يلعبون دورًا محوريًا في مسيرة نموها وازدهارها، بالطبع يختلف نطاق هذا الدور وتفاصيله باختلاف نوع المستثمر ومرحلة تطور الشركة، لكنّه يبقى في جوهره قائمًا على تقديم التمويل، مقابل الحصول على حصة ملكية في الشركة.
يُتيح هذا التمويل للمشاريع الناشئة ضخ الدماء فيها، ما يُمكنها من تطوير منتجاتها أو خدماتها، وتوظيف الكفاءات اللازمة، وتحقيق النمو المنشود.
خزائن المعرفة وخرائط الخبرة
لا يقتصر دور المستثمرين على الجانب المالي فقط، بل يتعدّاه ليُشمل تقديم موارد وخبرات قيمة للمشاريع الناشئة، فمن خلال علاقاتهم الواسعة في مختلف المجالات، وخبرتهم في توسيع الأعمال، وفهمهم العميق للسوق، يُساهم المستثمرون في توجيه بوصلة الشركات الناشئة نحو النجاح.
علاوة على ما فات، يُجسد بعض المستثمرين دور المُرشدين الحكماء؛ حيث يُقدّمون التوجيه والدعم لمؤسسي الشركات الناشئة في رحلتهم المُليئة بالتحديات، فمن خلال خبرتهم وتجاربهم، يُساعدون رواد الأعمال على تجاوز العقبات وتخطّي الصعوبات التي تعترض مسيرتهم.
في المحصلة، يتكامل دور المستثمرين مع جهود رواد الأعمال، ليُصبحوا شركاء في رحلة نمو وازدهار الأعمال التجارية الناشئة، فهم يُقدمون الموارد والخبرات التي تُمكن هذه الشركات من تحقيق أهدافها، ويحصلون في المقابل على حصة من أرباحها المستقبلية.
الاستحواذ أم تأسيس كيان جديد؟
في ساحة الأعمال، يُواجه مُعظم المستثمرين خيارًا صعبًا: هل يستحوذون على شركة ناشئة موجودة بالفعل أم يؤسسون شركة جديدة من الصفر؟ واقعيًا، يوجد لكل نهج مزايا وعيوب، ويعتمد القرار الأمثل على مجموعة متنوعة من العوامل؛ بما في ذلك أهداف المستثمر، والخبرة، وشخصية المخاطرة.
مزايا الاستحواذ على شركة ناشئة
- انخفاض المخاطر: عادةً ما تكون الأعمال التجارية الناشئة التي تم الاستحواذ عليها قد أثبتت مفهومها بالفعل ولديها قاعدة عملاء ونموذج أعمال قوي، هذا يعني أن هناك مخاطر أقل مرتبطة بالفشل مقارنةً بتأسيس شركة جديدة.
- الوصول إلى الموارد: غالبًا ما تمتلك المشاريع الناشئة التي تم الاستحواذ عليها بالفعل فريقًا موهوبًا، وتقنية متطورة، وموارد أخرى قد تكون باهظة الثمن أو صعبة الحصول عليها بالنسبة لشركة ناشئة جديدة.
- السرعة إلى السوق: يُمكن للمشاريع الناشئة التي تم الاستحواذ عليها الدخول إلى السوق بشكل أسرع بكثير من الأعمال التجارية الناشئة الجديدة، هذا لأنها لا تحتاج إلى بناء قاعدة عملاء أو تطوير منتجها أو خدمتها من الصفر.
عيوب الاستحواذ على شركة ناشئة
- التكلفة العالية: يمكن أن تكون عمليات الاستحواذ على المشاريع الناشئة باهظة الثمن؛ حيث يتعين على المستثمرين دفع علاوة على سعر السهم، بالإضافة إلى تكاليف الدمج الأخرى.
- الثقافة: قد يكون من الصعب جدًا دمج ثقافات شركتين مختلفتين، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مشاكل في الموظفين وانخفاض الإنتاجية بشكلٍ كبير.
- اختلاف التقنيات والأنظمة: قد تستخدم الأعمال التجارية الناشئة تقنيات وأنظمة مختلفة تمامًا عن تلك التي تستخدمها الشركات الكبيرة، ما يتطلب ذلك تكييف ودمج الأنظمة بشكلٍ متسق وفاعل.
في النهاية، فإن قرار الاستحواذ على شركة ناشئة أم تأسيس واحدة جديدة هو قرار شخصي يجب اتخاذه بناءً على ظروفك الفردية، إذا كنت مستثمرًا متحفظًا تبحث عن عائدات ثابتة، فقد يكون الاستحواذ على شركة ناشئة هو الخيار الأفضل لك، ومع ذلك، إذا كنت مستثمرًا ذا ميل للمخاطرة مستعدًا لتحمل المخاطر من أجل فرصة تحقيق مكافأة كبيرة، فقد يكون تأسيس شركة ناشئة هو الخيار الأفضل لك.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
الربح في الشركات.. كيف يتحقق ذلك؟
فكرة المشروع الناشئ.. كيف تتحقق من جدواها؟
توعية المستثمرين.. خطوات أساسية لجذب التمويل


