لا يقتصر نجاح المنتج أو الخدمة على الجودة أو التكلفة فحسب، بل على كيفية إدراك العميل للسعر. لذا؛ تلعب مسألة “عدالة السعر المدركة” دورًا محوريًا في بناء الثقة والولاء، خصوصًا بالنسبة للمشاريع الناشئة التي تسعى لتأسيس موطئ قدم لها في السوق.
هنا تبرز نظرية “الاستحقاق المزدوج” (Dual Entitlement). وهي مفهوم محوري في الاقتصاد السلوكي والإدارة يكشف عن الآليات النفسية التي يقرر بها العملاء ما إذا كان قرار التسعير عادلًا أم جائرًا. إن فهم هذه النظرية ليس ترفًا، بل هو ضرورة استراتيجية لكل رائد أعمال. وفق ما ذكره “frontiersin”.
ماذا يعني “الاستحقاق المزدوج”؟
نظرية الاستحقاق المزدوج، التي وضعها دانيال كانيمان وزملاؤه، تنص على أن العلاقة التبادلية بين الشركة والعميل تقوم على حقين مرجعيين متوازيين يعتبرهما الطرفان “مستحقين”:
استحقاق العميل للسعر المرجعي (Customer’s Reference Price):
يحق للعميل أن يدفع سعرًا يتماشى مع السعر الذي اعتاد دفعه للمنتج أو الخدمة. أو سعرًا مشابهًا لما يدفعه المنافسون. هذا السعر المرجعي يعمل كـ “نقطة ارتكاز” لتقييم جميع الأسعار المستقبلية.
استحقاق الشركة للربح المرجعي (Firm’s Reference Profit):
يحق للشركة أن تحصل على مستوى معقول ومقبول من الربح مقابل جهودها وتكاليفها.
الخلاصة الجوهرية للنظرية هي أنه لا يمانع العملاء في رفع الشركة أسعارها طالما كان ذلك ضروريًا للحفاظ على ربحها المرجعي (أي لتغطية زيادة في التكاليف). لكنهم يعتبرون رفع السعر استغلالًا غير عادل إذا كان يهدف إلى زيادة الربح المرجعي للشركة على حساب العميل (أي استغلال ارتفاع مفاجئ في الطلب).

أصل مصطلح الاستحقاق المزدوج
في نهاية عام 1988م، أكد في بحثه أنه لا يمكن للشركات رفع أسعار الأسهم بسبب الأرباح المرتفعة، لأن الموقع الريادي لشركة ما لا يرتبط بالربح المحقق، بل بحالة الأسعار.
وكشف عن أن الربح المحقق يزيد من خلال زيادة الأسعار. ويُعد سعر السهم هو نتيجة للمزيج السياسي، إذ تسبب السياسات المرتبطة في أسعار حالة الأسعار، ولهذا فإن الأسهم التي لها أصوات أقوى عن عدم علاقتها بحالة الأسعار.
كما يرى أن الإنتاج غير المبرر على عوائد الأسهم السياسية غير المرتبطة يحدد سعر المنتج السوقية المرتبطة إلى الأرباح الرأسمالية على المدى الطويل، والتي يتحكم فيها العامل السياسي.
أهمية الاستحقاق المزدوج لرواد الأعمال والمشاريع الناشئة
تعد هذه النظرية بمثابة بوصلة لرائد الأعمال في الأوقات الصعبة والحاسمة:
1. إتقان إستراتيجيات التسعير في مراحل النمو
تضطر الشركات الناشئة عادة إلى رفع أسعارها بعد فترة من التسعير المنخفض لجذب العملاء الأوائل. يحدد مبدأ الاستحقاق المزدوج كيفية تنفيذ هذه الزيادة بأقل قدر من رد الفعل السلبي:
الزيادة العادلة: عند زيادة أسعار المواد الخام، أو تكاليف الشحن، أو رواتب الموظفين (زيادة التكاليف)، فإن رفع السعر للحفاظ على هامش الربح الحالي ينظر إليه على أنه تصرف مقبول وعادل.
الزيادة غير العادلة (الاستغلال): رفع الأسعار المفاجئ لمجرد وجود طفرة في الطلب (مثل زيادة سعر خدمة توصيل الطلبات في أوقات الذروة دون تغيير في التكلفة الأساسية للخدمة). هذا يضر بالولاء ويولد شعورًا بالاستياء.
2. بناء الولاء والثقة على المدى الطويل
الثقة هي العملة الأهم للشركات الناشئة. عندما يرى العملاء أن الشركة تلتزم بمبدأ “العدالة الإجرائية” (Procedural Justice) في تسعيرها – أي أن عملية تحديد السعر نفسها عادلة وشفافة – فإنهم يصبحون أكثر ولاءً واستعدادًا للتسامح مع الزيادات المبررة.
3. إدارة توقعات العملاء الأوائل (Early Adopters)
العملاء الأوائل غالبًا ما يحصلون على أسعار خاصة أو خدمات إضافية. عند نمو الشركة وتعديل نموذج التسعير. قد يشعر هؤلاء العملاء بـ “استحقاق مضاعف” (Entitlement). ما يزيد تكاليف خدمتهم. يجب على الإدارة الموازنة بين:
الامتنان (Gratitude): الحفاظ على تقدير العملاء المخلصين.
الاستحقاق (Entitlement): تجنب خلق توقعات غير واقعية بأنهم سيحصلون على معاملة تفضيلية دائمة تضر بالربحية.
تطبيق المفهوم في سيناريوهات إدارية أخرى
لا يقتصر الاستحقاق المزدوج على الأسعار فقط، بل يمتد إلى إدارة الموظفين:
الموارد البشرية والتعويضات: يشعر الموظفون بالاستحقاق لراتب مرجعي يتناسب مع خبراتهم أو ما يتقاضاه زملاؤهم في السوق. إذا قررت الشركة تجميد الرواتب، بينما تحقق أرباحًا قياسية. قد ينظر إلى ذلك على أنه “ظلم” يخرق استحقاقهم للنمو العادل (مماثل لخرق حق الشركة في الربح).
القيادة الأخلاقية: القائد الذي يتبنى مبادئ العدالة الإجرائية في الترقية والمكافآت (العدالة في العملية). يقلل من شعور الموظف بالظلم، حتى لو لم يحصل على أفضل النتائج دائمًا (العدالة في النتائج).


