هل الاستقلال المطلق والحقيقي موجود حقاً؟ أم هو مجرد أسطورة نرويها لأنفسنا لنستمر في السعي، في حين أن كل أفعالنا تتشابك ضمن شبكة مترابطة من الاعتماد المتبادل؟
وجهة نظري أن الاستقلال المطلق لا وجود له. من لحظة ولادتنا وحتى التعقيدات العالمية مثل الحروب، نحن مرتبطون ارتباطًا وثيقًا، ونعتمد دومًا على شيء أو شخص آخر.
الاستقلال المطلق، بأصفى صوره، هو وهم. بل في التقارب الدقيق بين تقرير المصير والاعتماد المتبادل نجد قوتنا الحقيقية ونحدد مكاننا في العالم.
لهذا السبب هذه المقولة صادقة جدًا:
“إذا أردت أن تذهب سريعًا اذهب بمفردك؛ إذا أردت أن تذهب بعيدًا اذهب معًا”.
كما أنه دون الحاجة إلى التوافق أو التضحية أو التناغم يمكن للفرد أن يقطع مسافات قصيرة بسرعة لكنها تفتقر إلى اللعبة الطويلة للوحدة.
كذلك القوة الحقيقية والمرونة والتأثير الدائم تكون في غالب الأحيان نتيجة الوحدة. وفي مواجهة الشدائد يقدم الاعتماد المتبادل الدعم والمرونة؛ ما يمنع الإرهاق ويعزز الشعور بالهدف المشترك.
الفرد.. شبكة دعم غير مرئية
لنبدأ بالفرد. الفرد الصلب، الإنسان الذي صنع نفسه بنفسه، من ينهض بجهوده الذاتية؛ فكلها نماذج مقدسة في ثقافات كثيرة، أبطال يستحقون القدوة. فنُعجب بالمرونة والاكتفاء الذاتي وقدرة الوقوف بمفردنا. لكن انظر عن كثب: هل حقًا يمكنك الادعاء بأنك وصلت إلى ما أنت عليه وحدك؟ هل الاستقلال المطلق حقيقة فعلًا؟
تأمل في لحظة الولادة؛ إذ نأتي إلى العالم معتمدين تمامًا على مقدمي الرعاية لكل نفس. لكل وجبة، ولكل لحظة راحة وأمان.
وبينما نكبر يتغير هذا الاعتماد لكنه لا يختفي. فتعليمنا، من تعلم الكلام إلى إتقان مهنة، يعتمد على المعلمين والمؤسسات والمعرفة المتراكمة عبر الأجيال. والطعام الذي نأكله، والملابس التي نرتديها، والسقف الذي يحمينا لا يتم إنتاجها بإرادتنا الفردية فقط، بل هي منتجات نظم مترابطة ضخمة تضم مزارعين ومصنعين ونقالين وبائعين وأطر اقتصادية معقدة تدعم عملهم.
حتى أفكارنا ليست ملكًا لنا بالكامل. لغتنا، ومعاييرنا الثقافية، وفهمنا للعالم تتشكل من المجتمعات التي نعيش فيها، والمحادثات التي نجريها، والكتب التي نقرأها، والإعلام الذي نتابعه. كما أن هويتنا نفسها تُبنى غالبًا ضمن علاقات مع الآخرين: كطفل، ووالد، وصديق، وزميل، ومواطن. نحن نُعرّف ماهية الأشياء بما ليست عليه.
لكي تكون مستقلًا حقًا أو تستمتع بـ “الاستقلال المطلق” يجب أن تعيش في فراغ خالٍ من التاريخ والثقافة والتفاعل البشري. هذه ليس حياة بل عزلة، وهو في نهاية المطاف مستحيل. فرحلاتنا الشخصية ليست بعثات منفردة، بل مشاريع تعاونية مبنية على أسس وضعها آخرون.

الجانب المظلم لـ «الاستقلال المطلق»
بينما يمكن أن يكون السعي للاستقلال المطلق نبيلًا للاعتماد على الذات والسيادة، فإنه أحيانًا يغطي على دوافع أعمق وأقل اعترافًا بها: التجنب الشخصي. كما أن البعض يرون في «الاستقلال» هروبًا إستراتيجيًا من التعقيدات والهشاشة والمتطلبات التي ترافق الانخراط الحقيقي والتواصل.
كذلك أرى هذا كثيرًا في غرفة العلاج. عملائي يصرون بشدة على استقلالهم، لكنهم يظهرون حزينين، مكتئبين ووحيدين ولا يفهمون السبب. التجنب العاطفي هو السبب رقم واحد للعلاج النفسي (على الأقل في الحالات التي رأيتها).
كما أن الناس يرغبون في أن يكونوا مستقلين عن الأفكار أو المشاعر غير المريحة، لكنهم ينسون أنهم يعتمدون على المشاعر المريحة التي تحفزهم أو تجعلهم سعداء. ينسون أن الين لا يمكن أن يوجد دون اليانغ.
هل ترى كيف أن القتال من أجل الاستقلال (من الأفكار والمشاعر هذه) يثير نارًا عاطفية أكبر؟ أنت لم تكن «مستقلًا» من البداية ولن تكون أبدًا.
كيف يتجلى ذلك؟
تجنب الآخرين:
فكرة «الاستقلال المطلق» يمكن أن تصبح درعًا ضد تعقيدات العلاقات الإنسانية. والخوف من الحكم، والصراع، والرفض، أو الحاجة إلى الضعف المطلوب للحميمية قد تدفع بعضهم لتقليل علاقاتهم الاجتماعية، مفضلين الوحدة تحت شعار الاعتماد على الذات.
هذا ليس استقلالًا حقيقيًا يسمح بالتواصل الاختياري، بل هو عزلة مفروضة ذاتيًا، وسيلة لتجنب العبء العاطفي والألم المحتمل للاعتماد المتبادل. إنها الحياة في خوف.
تجنب المشاعر:
الاستقلال المطلق والحقيقي لا يعني التحرر من المشاعر، خاصة الصعبة منها. ولكن كثيرًا ما يسعى الناس إلى التواصل العاطفي السلبي ظنًا منهم أن يكونوا «مستقلين» يعني ألا يتأثروا بالحزن، أو الغضب، أو الخوف أو الحزن.
كما أن هذا غالبًا يؤدي إلى كبت عاطفي، وانفصال عن العالم الداخلي وتجارب الحياة. لكن الاستقلال الأصيل يشمل الاعتراف بالمشاعر ومعالجتها، وليس الهروب منها بإنشاء جدار عاطفي.
تجنب الأماكن والمسؤوليات:
أحيانًا يظهر دافع الاستقلال كرغبة في الهروب من المواقف الصعبة أو الالتزامات أو الأماكن. هذا قد يظهر في التغيير المستمر للوظائف أو الأماكن لتجنب المسؤوليات طويلة الأمد، أو عدم الالتزام بمجتمع ما.
بينما رغم أن حرية التنقل والاختيار مهمة، إلا أن هذا الخوف من التقييد أو مواجهة الواقع أو الإسهام في كيان أكبر، يدفع إلى التجنب وليس التحرر الحقيقي.
في هذه الحالات يصبح السعي نحو «الاستقلال» تضليلًا، وقصة مريحة لتبرير الانسحاب من التجارب التي تبني النمو والتواصل والفهم الأعمق.
القوة الحقيقية لا تأتي من تجنب العالم أو الناس أو التحديات، بل من مواجهتها والانخراط معها، والتنقل ضمن الاعتماديات المتأصلة، واكتشاف المرونة داخل النفس.
القوة في الاعتماد المعترف به
إذا كانت الاستقلالية المطلقة أسطورة فما معنى ذلك لطموحاتنا ومستقبلنا؟ يعني أن القوة الحقيقية تكمن في عدم إنكار اعتمادنا، بل في الاعتراف به والتنقل الإستراتيجي ضمنه. كيف؟
التعاون:
الاعتراف بالتحديات المشتركة والاعتماد المتبادل يشجع على التعاون بدلًا من الانعزال.
التعاطف والفهم:
عندما نفهم أن رفاهيتنا مرتبطة برفاهية الآخرين، ينمو التعاطف وتتسع النظرة. يساعدنا ذلك على تجاوز الأنانية الضيقة لصالح الخير الجماعي.
المرونة:
أطول دراسة حول السعادة أجرتها هارفارد استمرت 85 عامًا وجدت أن اللياقة الاجتماعية (أي الاتصال الاجتماعي) هي العامل الأول في حياة سعيدة، وليس المال أو الشهرة أو الوظيفة أو وضع الانتماء الاجتماعي.
وغالبًا ما يلهمنا السعي لـ«الاستقلال المطلق» لتحسين الذات، وتجاوز العقبات، وتأكيد هويتنا الفريدة، لكن الحقيقة النهائية هي أن هذه الرحلة تتكشف ضمن كون مترابط وضخم.
في نهاية المطاف لسنا جزرًا منعزلة، بل أجزاء متكاملة من نظام بيئي كبير ومتطور: اجتماعي، واقتصادي، وسياسي وبيئي. وهذا الأمر اليوم أكثر وضوحًا مما كان عليه عام 1776.


