تتصدر المقارنات بين الشركات مشهد النقاشات المهنية والإدارية بشكل مستمر. إذ يركز كثيرون على سرعة اتخاذ القرار، وسهولة الإجراءات، وكفاءة التشغيل، ومستوى المرونة في بيئة العمل.
لكن هذه المقارنات غالبًا ما تتجاهل عاملًا جوهريًا يفسر جانبًا كبيرًا من الفروقات بين المؤسسات، وهو النموذج الإداري الذي تتبعه كل شركة في إدارة أعمالها وتنظيم عملياتها الداخلية.
وبحسب ما ورد في مجلة فورتشن فإن فهم آليات الإدارة داخل المؤسسات يُعد عنصرًا أساسيًا عند تقييم الأداء المؤسسي أو مقارنة الشركات ببعضها البعض. خاصة أن طبيعة اتخاذ القرار وسرعة التنفيذ ترتبطان ارتباطًا مباشرًا بالهيكل الإداري المعتمد داخل المنظمة.
وتكشف التجارب العملية عن أن الشركات لا تعمل جميعها بالطريقة نفسها. فلكل مؤسسة فلسفتها الخاصة في توزيع الصلاحيات وإدارة الموارد واتخاذ القرارات. ولذلك فإن الحكم على كفاءة شركة أو بطء إجراءاتها دون معرفة الأسس الإدارية التي ترتكز عليها قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة لا تعكس الصورة الحقيقية لأداء المؤسسة.
المركزية واللامركزية
تُعد الإدارة المركزية من أكثر النماذج الإدارية انتشارًا داخل المؤسسات الكبرى والجهات التي تتطلب مستويات مرتفعة من الرقابة والإشراف. وفي هذا النوع من الإدارة تكون أغلب القرارات مرتبطة بالإدارة العليا، التي تمتلك السلطة الرئيسة في توجيه الأعمال واعتماد الإجراءات المختلفة.
وبناءً على ذلك قد تبدو الموافقات في بعض الشركات المركزية أبطأ مقارنة بغيرها. إلا أن هذا الأسلوب يوفر مستوى أعلى من الرقابة، كما يسهم في توحيد القرارات والسياسات داخل المؤسسة. وهو ما تراه بعض الجهات عنصرًا ضروريًا للحفاظ على الاتساق المؤسسي.
وعلى الجانب الآخر تعتمد الإدارة اللامركزية على توزيع الصلاحيات بين الإدارات المختلفة ومنح المديرين التنفيذيين قدرًا أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرارات. ويساعد هذا الأسلوب على تسريع عمليات التنفيذ والاستجابة للمتغيرات التشغيلية بصورة أكثر مرونة. الأمر الذي يجعل العديد من المؤسسات الحديثة تتجه نحو تطبيقه بدرجات متفاوتة.
أسباب التفوق المؤسسي
أحد أبرز الأمثلة التي تناولت عوامل النجاح المؤسسي جاءت من خلال الكتاب الشهير “من الجيد إلى العظيم”. حيث أجرى الباحث جيم كولينز وفريقه دراسة امتدت لنحو 5 سنوات بهدف إلى فهم الأسباب التي تجعل بعض الشركات تحقق تحولًا استثنائيًا ومستدامًا في الأداء.
وشملت الدراسة في بدايتها تحليل 1,435 شركة، قبل أن يتم استبعاد معظمها تدريجيًا وفق معايير دقيقة. وصولًا إلى 11 شركة فقط تمكنت من تحقيق نتائج استثنائية ومستدامة على المدى الطويل.
ورغم أن الدراسة لم تكن مخصصة لمقارنة المركزية واللامركزية بشكل مباشر، فإنها سلطت الضوء على مجموعة من العناصر الإدارية المؤثرة في نجاح المؤسسات. وهو ما يؤكد أن الأداء المؤسسي لا يرتبط فقط بسرعة القرار، بل بمجموعة متكاملة من العوامل التنظيمية والإدارية.

عناصر النجاح تتجاوز سرعة اتخاذ القرار
ركزت الدراسة على عدة عوامل رئيسة، من أبرزها: وضوح النظام الإداري داخل المؤسسة، ومدى الانضباط المؤسسي، وجودة القرارات المتخذة. إضافة إلى وضوح المسؤوليات بين الفرق والإدارات المختلفة.
كما تناولت أهمية استدامة الأداء على المدى الطويل، باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية التي تميز الشركات الناجحة عن غيرها. فالمؤسسة التي تستطيع الحفاظ على مستويات أداء مرتفعة لفترات طويلة تمتلك غالبًا أسسًا إدارية واضحة ومستقرة.
ومن هنا تبرز أهمية فهم النموذج الإداري عند تقييم الشركات. إذ ينعكس أسلوب الإدارة بصورة مباشرة على سرعة اتخاذ القرار، وآليات التشغيل، وطبيعة توزيع المسؤوليات. فضلًا عن تأثيره في ثقافة العمل السائدة داخل المنظمة.
نماذج إدارية متنوعة
إلى جانب المركزية واللامركزية توجد أنماط إدارية أخرى تتبناها المؤسسات وفق طبيعة أعمالها وأهدافها التشغيلية. ومن أبرز هذه النماذج الإدارة البيروقراطية، التي تعتمد على الإجراءات والسياسات والتسلسل الإداري الواضح لضمان تنظيم الأعمال وتحديد المسؤوليات.
كما تتجه بعض المؤسسات إلى الإدارة المرنة، التي تركز على سرعة التكيف مع المتغيرات وتقليل التعقيد الإداري. بما يسمح بتحقيق مستويات أعلى من المرونة والاستجابة السريعة للتحديات والفرص الجديدة.
وفي المقابل تعتمد الإدارة بالأهداف على قياس النتائج والمؤشرات بصورة أكبر. حيث يتم التركيز على تحقيق المستهدفات المحددة مسبقًا ومتابعة الأداء بناءً على مؤشرات واضحة وقابلة للقياس.
فهم النموذج الإداري قبل إطلاق الأحكام
تؤكد هذه المعطيات أن اختلاف أساليب الإدارة بين الشركات ليس مؤشرًا على جودة مؤسسة مقابل أخرى. بل يعكس طبيعة الخيارات التنظيمية التي تعتمدها كل جهة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية والتشغيلية.
ولهذا السبب فإن المقارنة بين شركتين دون فهم النموذج الإداري الذي تعمل به كل منهما قد تؤدي إلى قراءة غير مكتملة للواقع. فسرعة القرار قد تكون ميزة في بعض البيئات. بينما تمثل الرقابة المشددة وتوحيد الإجراءات أولوية في بيئات أخرى.
وفي ضوء ذلك يبقى النموذج الإداري أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل هوية المؤسسات وآليات عملها ونتائجها التشغيلية. وهو العنصر الذي ينبغي أخذه في الاعتبار قبل تقييم الأداء أو عقد المقارنات بين الشركات. لأن فهم طريقة الإدارة يظل الخطوة الأولى لفهم أسباب النجاح والاختلاف بين المؤسسات.


