يثير تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاسه على الأداء الفعلي للشركات. بعدما كشفت بيانات حديثة عن أن ارتفاع معدلات استخدام هذه التقنيات لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج تشغيلية أفضل.
وبينما يؤكد معظم العاملين في وظائف المعرفة أن أدوات الذكاء الاصطناعي عززت إنتاجيتهم الفردية. فإن أثرها في أداء المؤسسات لا يزال محدودًا. وهو ما يسلط الضوء على تحديات تتعلق بطريقة التطبيق والإدارة والحوكمة أكثر من ارتباطها بالتكنولوجيا نفسها.
وبحسب نتائج استطلاع أجراه معهد Work AI Institute التابع لشركة Glean فإن ثلاثة أرباع العاملين في وظائف المعرفة يرون أن الذكاء الاصطناعي يجعلهم أكثر إنتاجية.
في حين يرى 13% فقط أن هذه التكنولوجيا أسهمت بشكل كبير في تحسين أداء شركاتهم. وشمل الاستطلاع 6,000 موظف يعملون في بيئات العمل الرقمية.
كما استند التقرير الافتتاحي لمؤشر Work AI Index إلى رؤى قادة متخصصين في الذكاء الاصطناعي يستخدمون منصة الشركة.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن الأتمتة وفرت للموظفين في المتوسط نحو 11 ساعة أسبوعيًا. إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الوقت لم يتحول إلى إنجازات إضافية. إذ يقضي العاملون وقتًا ملحوظًا في إدارة أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها.
كذلك تبين أن الموظفين يمضون وقتًا أطول قليلًا في إدارة تلك الأدوات مقارنة باستخدامها لإنجاز الأعمال. بينما لم يُخصص سوى 27% من الوقت لتعلم كيفية استخدامها وبناء الوكلاء، الأمر الذي يعكس فجوة واضحة بين الاستخدام والاستفادة الكاملة منها.
البنية البشرية أساس تحقيق القيمة
وأشار التقرير إلى أن نجاح تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات يعتمد بصورة كبيرة على البنية التحتية البشرية المحيطة بهذه التقنيات، وليس على توفر الأدوات وحدها.
ولذلك، فإن المؤسسات مطالبة بدمج الذكاء الاصطناعي ضمن سياق أعمالها اليومية. مع توفير التدريب المناسب للموظفين على حالات الاستخدام العملية. بما يضمن توظيف التقنيات في المجالات الأكثر تأثيرًا في الأداء.
علاوة على ذلك، أوصى التقرير بالنظر إلى استخدام الموظفين لأدوات الذكاء الاصطناعي غير المعتمدة رسميًا باعتباره مؤشرًا على وجود قصور في الأدوات التي توفرها الشركات، وليس مجرد مخالفة للسياسات الداخلية.
كما شدد على أهمية دمج مبادئ الحوكمة في القرارات اليومية لضمان الاستخدام المسؤول وتحقيق أقصى استفادة من التقنيات الحديثة.
وفي السياق ذاته، أوضح التقرير أن الذكاء الاصطناعي، رغم توليه تنفيذ عدد من المهام التي كانت تعتمد سابقًا على الجهد البشري، ولّد مجموعة جديدة من الأعمال غير الظاهرة التي يتعين على الموظفين تنفيذها لضمان جودة النتائج.
وتشمل هذه المهام تزويد الوكلاء بالسياق المناسب، ومراجعة المخرجات، واكتشاف الأخطاء، وتنقيح الإجابات قبل اعتمادها في بيئة العمل.
أعباء جديدة خلف الكفاءة الرقمية
وكشف التقرير عن أن العاملين يقضون ما يقرب من ست ساعات ونصف الساعة أسبوعيًا في المهام المرتبطة بصيانة مخرجات الذكاء الاصطناعي. وهو ما يقلل من المكاسب المتوقعة نتيجة الأتمتة.
كذلك حذر من أن الأعمال المتكررة قد تؤدي إلى أخطاء يصعب اكتشافها إذا تراجع مستوى التدقيق البشري. خاصة أن 69% من المشاركين أكدوا أنهم يحرصون على مراجعة المخرجات والتحقق من منطقية توصيات الذكاء الاصطناعي بصورة مستمرة.
وقالت ريبيكا هيندز؛ رئيسة معهد Work AI Institute في شركة Glean، إن عددًا كبيرًا من الشركات تعامل مع تبني الذكاء الاصطناعي بوصفه مقياسًا شكليًا للنجاح يعتمد على زيادة عدد المستخدمين والأوامر ومعدلات الاستخدام. دون التركيز على النتائج الفعلية أو القيمة التشغيلية التي تحققها هذه التقنيات داخل المؤسسة.
وأضافت أن ارتفاع معدلات استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني تلقائيًا تحقيق إنتاجية أعلى أو تحولًا تقنيًا حقيقيًا. إذ أظهر التقرير أن الموظف يقضي ساعة للحصول على مخرجات مفيدة من الذكاء الاصطناعي، ثم يقضي ساعة إضافية لجعل تلك المخرجات قابلة للاستخدام الفعلي.
بينما توصلت شركة Glean إلى أن أكثر من ثلث جلسات استخدام الذكاء الاصطناعي تنتهي بالفشل الكامل. ما يدفع الموظفين إلى إعادة بدء المهمة أو تنفيذ معظمها مرة أخرى.
النجاح يقاس بالنتائج وليس بكثرة الاستخدام
وأكدت ريبيكا هيندز أن الإفراط في الوقت المخصص لإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي يعني أن المؤسسات لم تتخلص من أعباء العمل. وإنما استبدلتها بأعباء جديدة ذات طابع إداري، الأمر الذي يضيف مسؤوليات إضافية على الموظفين والمديرين بدلًا من تخفيفها.
وفي المقابل، أوضحت أن المؤسسات التي تجعل تبني الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من آليات العمل اليومية تحقق نتائج أفضل من تلك التي تعتمد عليه لمجرد مواكبة التوجهات الحديثة.
فيما أشارت إلى أن الشركات الأكثر نجاحًا تستثمر في تدريب الموظفين على كيفية ومتى يستخدمون هذه الأدوات. إلى جانب وضع ضوابط وإرشادات واضحة تنظم استخدامها وتضمن جودة المخرجات.
واختتم التقرير بتأكيد أن المؤسسات الرائدة تعيد استثمار الوقت الذي يوفره الذكاء الاصطناعي في تنفيذ أعمال ذات جودة أعلى وأكثر اعتمادًا على القدرات البشرية. مع تنمية مهارات الموظفين في هذا المجال، بدلًا من التركيز على رفع معدلات الاستخدام فقط.
كما خلص إلى أن فرص نجاح تبني الذكاء الاصطناعي ترتفع عندما يستند إلى أسس متينة على مستوى الفرد، والفريق، والمؤسسة، ويستخدم في السياق الصحيح، ويقاس بنتائج واقعية. ويدار ضمن إطار حوكمة يضمن سرعة الإنجاز دون المساس بمعايير الجودة.


