يعكس أداء الاقتصاد غير النفطي في المملكة العربية السعودية صورة متماسكة لنمو مستدام، رغم بروز إشارات تباطؤ نسبي في وتيرة النشاط مع نهاية عام 2024، وهو ما يضع مؤشر مديري المشتريات في صدارة الأدوات التحليلية التي ترصد نبض قطاع الأعمال الخاصة.
فالأرقام الأخيرة لا تشير إلى انحسار في الزخم الاقتصادي بقدر ما تعكس مرحلة تهدئة طبيعية بعد فترات توسع متسارعة. الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءة أعمق لمستقبل الطلب، والاستثمار، والتوظيف في واحدة من أكثر اقتصادات المنطقة حيوية.
وفي هذا السياق، أظهر مسح حديث -نقلته رويترز- أن قطاع الأعمال الخاصة غير النفطية في السعودية واصل تمركزه ضمن نطاق النمو خلال شهر ديسمبر الماضي. رغم تراجع وتيرة التوسع إلى أبطأ مستوياتها خلال أربعة أشهر. ويعكس هذا التطور تفاعل الشركات مع بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع المنافسة، وتغير أنماط الطلب. إلى جانب ضغوط تكاليف الإنتاج، وهي عوامل تفرض على صناع القرار في القطاع الخاص تبني إستراتيجيات أكثر مرونة واستباقية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، تتزايد أهمية مؤشر مديري المشتريات بوصفه مقياسًا دقيقًا لأداء الأنشطة غير النفطية. لا سيما في ظل توجهات المملكة لتعزيز التنويع الاقتصادي. فالمؤشر لا يكتفي بتقديم قراءة رقمية مجردة، بل يعكس في جوهره توازنًا معقدًا بين الإنتاج، والطلبات الجديدة، والتوظيف، والتضخم، وثقة الأعمال. وهي عناصر تشكل مجتمعة الأساس الحقيقي لقوة الاقتصاد.
تباطؤ محسوب في وتيرة النمو غير النفطي
سجل مؤشر مديري المشتريات المعدل موسميًا الصادر عن بنك الرياض مستوى 57.4 في ديسمبر الماضي. منخفضًا من 58.5 في نوفمبر؛ ما يشير إلى تباطؤ النمو للشهر الثاني على التوالي. ورغم هذا التراجع، بقي المؤشر أعلى من متوسطه التاريخي طويل الأجل البالغ 56.9. وهو ما يؤكد استمرار النشاط الاقتصادي في منطقة النمو، خاصة أن أي قراءة فوق 50.0 تعني توسعًا في النشاط.
ويعكس هذا الانخفاض النسبي حالة من التوازن بين قوة الطلب المحلي من جهة، ومحاولات الشركات التكيف مع بيئة أعمال أكثر تنافسية من جهة أخرى. إذ لم يكن التباطؤ نتيجة ضعف حاد في السوق، بل جاء في سياق تهدئة طبيعية بعد فترات توسع قوية. ما يعزز فكرة أن الاقتصاد غير النفطي لا يزال محتفظًا بمرونته وقدرته على امتصاص الصدمات.
علاوة على ذلك، يظهر تحليل مكونات مؤشر مديري المشتريات أن مستويات الإنتاج لدى الشركات غير النفطية ارتفعت بوتيرة قوية. مدفوعة بزيادة الأعمال الجديدة، واستمرار المشروعات القائمة، وارتفاع الإنفاق الاستثماري. غير أن معدل النمو كان الأقل منذ أغسطس الماضي، في إشارة واضحة إلى انتقال السوق من مرحلة التسارع إلى مرحلة الاستقرار النسبي.
الطلبات الجديدة والطلب الخارجي
شهد المؤشر الفرعي للطلبات الجديدة تراجعًا ملحوظًا إلى 61.8 في ديسمبر الماضي، مقارنة بـ64.6 في نوفمبر، لتسجل وتيرة التوسع الأبطأ خلال أربعة أشهر. ورغم بقاء القراءة ضمن نطاق قوي نسبيًا، فإن هذا التراجع يعكس تباطؤًا تدريجيًا في تدفق الطلب. وهو ما ربطته الشركات بمخاوف متزايدة من تشبع الأسواق في بعض القطاعات.
وفي المقابل، أشار أصحاب الأعمال إلى أن تحسن الظروف الاقتصادية العامة. إلى جانب نجاح الحملات التسويقية، لا يزالان عاملين داعمين للنشاط. إلا أن هذا الدعم لم يكن كافيًا للحفاظ على وتيرة النمو السابقة. ما يسلط الضوء على الحاجة إلى ابتكار منتجات وخدمات جديدة قادرة على تحفيز الطلب مجددًا في بيئة شديدة التنافس.
أما على صعيد الطلب الخارجي، فقد سجلت الصادرات زيادة طفيفة للشهر الخامس على التوالي. غير أن وتيرة الارتفاع كانت الأضعف خلال هذه السلسلة. ووفقًا لتصريحات كبير الاقتصاديين في بنك الرياض، نايف الغيث، فإن هذا الأداء يشير إلى أن الطلب الخارجي لا يزال داعمًا، لكنه يتسم بعدم الانتظام. ما يجعل الشركات أقل اعتمادًا عليه كمحرك رئيسي للنمو المستقبلي.
التوظيف والتضخم وثقة الأعمال المستقبلية
على مستوى سوق العمل، حافظت الشركات غير النفطية على وتيرة قوية في التوظيف؛ حيث واصلت توسيع قواها العاملة استجابةً لاحتياجات الإنتاج والمشروعات الجارية. ويعكس هذا الاتجاه ثقة نسبية لدى الشركات بقدرتها على الحفاظ على مستويات النشاط، رغم التحديات المرتبطة بالمنافسة وتباطؤ الطلب.
في المقابل، تصاعدت الضغوط التضخمية بشكل ملحوظ، مع ارتفاع حاد في أسعار مستلزمات الإنتاج نتيجة زيادة تكاليف الشراء. ودفع ذلك العديد من الشركات إلى رفع أسعار منتجاتها النهائية. وهو تطور قد يشكل تحديًا إضافيًا أمام الطلب الاستهلاكي إذا ما استمرت هذه الضغوط على المدى المتوسط.
أما فيما يتعلق بآفاق الأعمال، فقد بدت ثقة الشركات للعام المقبل محدودة نسبيًا. متأثرة بالمخاوف من تصاعد المنافسة في السوق. ورغم ذلك، لا تزال التوقعات تشير إلى نمو معتدل، مدعوم باستمرار المشاريع الاستثمارية، واستقرار بيئة الأعمال. والدور المحوري الذي يلعبه مؤشر مديري المشتريات في تقديم إشارات مبكرة حول اتجاهات الاقتصاد غير النفطي في المملكة.



