الأزمات الاقتصادية

«تأثير أحمر الشفاه».. والأزمات الاقتصادية

في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، تُعاني اقتصاديات دول العالم المختلفة حاليًا من الآثار الاقتصادية لهذه الحرب؛ لذلك ليس عجبًا أن نجد تأثير أحمر الشفاه ظاهرًا على السطح؛ فالجميع يشعر بالقلق والخوف بسبب الارتفاع الجنوني لأسعار جميع السلع والخدمات، خاصةً في ظل ارتفاع أسعار النفط وكسره حاجز 140 دولارًا لأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. 

وعندما نفكر في الحرب الروسية الأوكرانية، نرى تأثيرها في أوكرانيا؛ فنشاهد بيوتًا تُقصف وأخرى تتهدَّم، وطائرات ودبابات وزيًا عسكريًا، وغيره من أجواء الحرب، لم يخطر ببال تأثير أحمر الشفاه أو أدوات المكياج؟ ؛ إذ يبدو الكلام غريبًا للوهلة الأولى؛ فما علاقة هذا بذاك؟!

وتكمن الإجابة عن هذا السؤال في تتبُّع سلوك المستهلكين؛ إذ يلجؤون في أوقات الأزمات إلى التسوق، دون شراء السلع مرتفعة الثمن واستبدالها بسلع رفاهية صغيرة؛ لإسعاد أنفسهم، أو بمعنى أدق فإن «أثر أحمر الشفاه» يتضح من خلال إنفاق المستهلكين الأموال على منتجات بسيطة وصغيرة في فترات الركود الاقتصادي والأزمات الاقتصادية، أو الحالة التي ينفق فيها الأفراد مبالغ قليلة لا تمكنهم من شراء منتجات وسلع غالية الثمن، ولكنهم عوضًا عن ذلك ينفقون الأموال في شراء منتجات صغيرة وفخمة كقلم أحمر الشفاه بالرغم من ارتفاع ثمنه.

 من هذا المنطلق فإن الشركات الكبيرة- والتي تعي جيدًا مؤشرات الأسواق- تستخدم هذا المؤشر، وتستفيد منه في فترات الأزمات؛ لتكون مرنة في ظل الأجواء الضبابية، وتتأقلم سريعًا مع تقلبات وظروف السوق.

 ولا يجب الخلط بين مصطلح «أثر أحمر الشفاه»، ومصطلح مستثمري «أحمر الشفاه» الذي يعبر عن سيدات الأعمال اللاتي يبعن مستحضرات التجميل أو المنتجات النسائية.

ماذا يعني؟

يُعد مصطلح أثر أحمر الشفاه من المؤشرات الاقتصادية الهامة؛ لأنه من مظاهر «أثر الدخل»؛ إذ يحلل الاقتصاديون الطلب الاستهلاكي لمنتج ما، بناءً على مزيج من التأثيرات؛ مثل: سعر سلعة مقارنةً بغيرها؛ أي مصطلح «أثر البديل»، ودخل المستهلك الذي يُطلق عليه «أثر الدخل»؛ فعتد ارتفاع الدخل، يرتفع الطلب على السلع التقليدية، بينما في حالة السلع الرديئة ينخفض الطلب عليها بالرغم من ارتفاع الدخل؛ وهو ما يحدث في حالة أثر قلم أحمر الشفاه؛ فعند انخفاض دخل الفرد، فإنه يعزِف عن شراء السلع مرتفعة الثمن، وينفق أمواله على شراء سلع ومنتجات صغيرة الحجم، وفخمة، وأقل قيمة كقلم أحمر الشفاه على سبيل المثال.

الأزمات الاقتصادية

تاريخ ظهوره

ظهر مصطلح «تأثير أحمر الشفاه» لأول مرة في عام 2001 على لسان ليونارد لودر؛ رئيس مجلس إدارة شركة إستي لودر، الأمريكية المتخصصة في مستحضرات التجميل، والذي لاحظ بدوره نمطًا ثابتًا من ارتفاع مبيعات التجميل خلال فترات الانكماش الاقتصادي، فتوصل إلى أن مبيعات أحمر الشفاه كانت مرتفعة بحوالي 11 %، كما لاحظ أيضًا وجود علاقة تناسب عكسية بين أحمر الشفاه والوضع الاقتصادي، فكانت مبيعات أحمر الشفاه متردّية عندما كان الاقتصاد قويًا، كما امتد الأمر ليشمل طلاء الأظافر الذي حقق أكبر مبيعات في عالم التجميل بين عامي (2008-2009) خلال فترة الأزمة المالية العالمية؛ وهكذا نجد أن الأثر يمتد ليشمل كافة مستحضرات التجميل. 

الدوافع النفسية

 إن تأثير قلم أحمر الشفاه استجابة تلقائية لندرة الموارد، فخلال الأزمات الاقتصادية، يكون هناك دوافع تنافسية لدى الأفراد، خاصةً في مجال البحث عن العمل؛ إذ يضطر الباحثون عن العمل إلى إنفاق مزيد من الأموال؛ ليكونوا بالمظهر اللائق للالتحاق بالعمل، وهناك الدوافع النفسية، خاصةً لدى المرأة التي تهتم دائمًا بالظهور بإطلالة جميلة، وبتكاليف بسيطة.

 وفيما يخص الدوافع النفسية، فقد أثرت جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي؛ ما أدى إلى تغييرات جذرية في الأنشطة الاقتصادية، وتغيرات كبيرة في سلوك الأفراد، سواء الاحترازية من خلال ارتداء الكمامات أو أقنعة الوجه، والسلوك الشرائي أو التسوقي للأفراد؛ حيث ألهم ارتداء الكمامة السيدات- وفي ظل الركود الاقتصادي- ببدائل جديدة لأحمر الشفاه؛ مثل كريم الأساس أو الماسكارا أو زيادة مساحة مكياج العيون.

 وفي فترة حظر التجوال، ارتفعت مبيعات البقالة بشكل كبير، وكذلك منتجات النظافة والعناية الشخصية، وألعاب الطاولة، والملابس الرياضية، وزادت مبيعات الكتب وسماعات الرأس، وكذلك أدوات المطبخ والوسائل التي تقلل من الشعور بالملل؛ نتيجة الجلوس بالمنزل فترات طويلة أثناء حظر التجوال.

إيجابيات وسلبيات

يُعد أثر أحمر الشفاه، من المؤشرات الاقتصادية الهامة والمنطقية؛ لاعتماده على النظرية الاقتصادية، بعكس مؤشر «سوبر بول»، الذي أطلقه في السبعينيات، الكاتب الرياضي ليونارد كوبيت؛ إذ لاحظ أنه كلما فاز فريق من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم في فعاليات السوبر بول Super Bowl تراجعت سوق الأسهم في هذا العام؛ أما إذ فاز فريق NFC فإن سوق الأسهم تصعد، ولكن مع مرور الوقت، وفي ظل توافر البيانات والمعلومات، أصبح هذا المؤشر غير موثوق به؛ لعدم تحقيق النتائج المرجوة منه.

وفيما يتعلق بسلبيات مؤشر أحمر الشفاه، فإنها تتمثل في صعوبة حصول الأفراد على بيانات مبيعات أقلام أحمر الشفاه ومنتجات التجميل، وكذلك السلع الشبيهة الأخرى لفترات منتظمة كل شهر، أو ربع سنوي، أو نصف سنوي.

معالجة أمريكية

وللتغلب على مشكلة عدم توفر بيانات أحمر الشفاه، ينشر مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، معلومات عن الاستهلاك الشخصي من المشتريات الخاصة بمستحضرات التجميل والعناية بالجسم كل ثلاثة شهور؛ أي نشرة ربع سنوية، كما ينشر مركز الإحصاء الأمريكي بيانات شهرية عن مبيعات التجزئة الخاصة بمتاجر العناية الشخصية؛ للاستفادة من أثر أحمر الشفاه في حالة الكساد والأزمات الاقتصادية.

اقرأ أيضًا:

يوم التأسيس وريادة المرأة السعودية

ثلاثة قرون من الاعتزاز والامجاد

“بياك” ذراع صندوق الاستثمارات العامة الداعم للابتكار

المنصة العالمية لريادة الأعمال

سلوكك يحدد مجرى حياتك

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن د. إســـلام جـــمال الـــديـن شــــوقي

د. إســـلام جـــمال الـــديـن شــــوقي خــــبــيـــــر اقــــتـــصــــــــادي عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

شاهد أيضاً

مُنتِجات

نحن مُنتِجات ولسنا لاجِئات

ألقت الحرب الروسية الأوكرانية بظلالها على العالم بأسره، بآثارها السلبية؛ نتيجة وقف إمدادات الغذاء، والغاز، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.