“بلد شهادات صحيح”؛ جملة كوميدية ظل يرددها ذلك الممثل الشاب الذي ظهر على المسرح لأول مرة عام 1963 في مسرحية “أنا وهو وهي”، وكانت سببًا في لفت أنظار الجمهور إليه، قبل أن يكتسب عادل إمام لقب “الزعيم”.
لم يكن يدري وكيل المحامي- المغلوب على أمره بالمسرحية “دسوقي أفندي”- ذلك الشاب ذو الملابس الرثة، الناقم على أحواله المعيشية، بسبب عدم استكمال تعليمه، أنه بعد ستين عامًا ستُعلِن أكبر الشركات بالعالم – وعلى رأسها أبل وجوجل – عدم اشتراط حصول المتقدمين للتوظيف لديها على شهادات جامعية، باعتبار أن المؤهلات الأكاديمية لم تعد حاجزًا يمنع الحصول على وظيفة، بل العبرة بخبراتهم ومهاراتهم التي تتناسب مع الوظيفة المتقدمين إليها.
وبنظرة على تصنيف المهارات، قد يعتقد البعض أن خريج الجامعة يجب أن يتحلى بمهارات فنية وتقنية فقط تمكنه من العمل بكفاءة ونجاح؛ وهي المهارات التي تُعرف بالمهارات الصلبة Hard Skills ؛ أي المهارات الفنية Technical Skills ، التي ترتبط أساسًا بالتعامل مع التقنيات والآلات والماكينات والحجر، وليس البشر؛ أما التعامل مع البشر، فيحتاج إلى نوع آخر من المهارات، يُعرف بالمهارات الناعمة Soft Skills، التي لا تقل أهمية عن المهارات الفنية؛ فمن يتقنها يضع قدمه على أول طريق النجاح.
ومن أمثلة المهارات الناعمة: مهارات الاتصال، العرض والتقديم، التخطيط الاستراتيجي، العمل الجماعي، العمل تحت ضغط، أخلاقيات العمل، إدارة الوقت والذات، إدارة الأولويات، تحديد الأهداف، حل المشكلات، اتخاذ القرار، القيادة الإبداعية، التأقلم والمرونة، التفكير النقدي، إدارة الأزمات، الذكاء العاطفي، التفاوض.
ولقد لخصت الآية الكريمة- في بلاغة- المهارات القاسية والناعمة الواجب توفرها، عندما تحدثت عن نبي الله موسى عليه السلام: “إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين”، سورة القصص الآية 26، والقوي هو الماهر في صنعته ذو الكفاءة الفنية، والأمين من لا تخاف فيما تأمنه عليه ويكون ضميره رقيبه.
تعامل موسى عليه السلام “القوي” مع “الحجر” بمهارة صلبة لم يقدر عليها كثيرٌ من الرجال؛ فأزال الصخرة عن البئر ليسقي للفتاتين، ثم تعامل النبي “الأمين” مع (البشر) بمهارة ناعمة حين غض بصره وقال للفتاة: سِيري خلفي وأنا أمامك، كراهية أن يرى شيئًا مما حرّم الله أن ينظر إليه؛ حيث كان ذلك اليوم شديد الرياح.
فخور بمبادرات مميزة لإكساب الشباب مهارات تقنية وأخرى ناعمة؛ مثل مبادرة أشبال مصر الرقمية، التي تهدف إلى إعداد جيل متميز قادر على اكتشاف آفاق تقنية جديدة، بالإضافة الى تنمية المهارات الحياتية والقيادية؛ إذ تقدم مسارات تقنية في مجالات تطوير البرمجيات والفنون الرقمية، والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، والروبوتات والأنظمة المدمجة، والشبكات والأمن السيبراني، إضافة إلى صقل المهارات الناعمة؛ مثل مهارات التواصل والعرض، و إدارة الوقت، وبناء الفريق، والأخلاقيات والسلوكيات، ومهارات التخطيط والقيادة، والتفكير الإبداعي، والتوعية البيئية، والتنمية المستدامة، وريادة الأعمال.
لذا، أدعو الشباب في البلدان العربية، خاصة من بدأوا إجازة الصيف الدراسية الطويلة، إلى البحث عن المهارات القاسية والناعمة المرتبطة بتخصصاتهم ومستقبلهم، والعمل بجد لتطوير أنفسهم وشخصياتهم لصناعة مستقبل زاهر لأنفسهم وأوطانهم، وإدراك أن المستقبل ليس للحاصلين على الشهادات الأكاديمية فقط، بل لأصحاب الخبرات والمهارات أيضًا، لتنطبق مقولة جديدة: “بلد مهارات صحيح”.
اقرأ أيضًا من “رواد الأعمال“:
نظام الشركات المساهمة.. وريادة الأعمال
فرص ريادية تنتظر رواد الأعمال بالأحساء


