بينما تتجه المؤسسات إلى توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف ورفع الكفاءة، تتزايد المخاوف بشأن الوظائف النسائية التي تتركز بصورة كبيرة داخل القطاعات الأكثر عرضة للأتمتة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “فاينانشال تايمز” فإن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل لا يتوزع بشكلٍ متساوٍ بين الرجال والنساء. إذ تواجه النساء تهديدًا أكبر نتيجة انتشارهن في الوظائف الكتابية والمكتبية التي يمكن للأنظمة الذكية تنفيذ جزء كبير من مهامها خلال وقت قصير وبكفاءة مرتفعة.
ويشير التقرير إلى أن التحولات الحالية لا ترتبط فقط بإلغاء بعض الوظائف، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل بيئة العمل بالكامل. حيث أصبحت الشركات تعتمد بصورة متزايدة على البرمجيات الذكية في إدارة البيانات، وخدمة العملاء، وإعداد التقارير، وتنظيم المواعيد، وتحليل المعلومات. وهي مهام تشغل فيها النساء نسبة كبيرة من القوى العاملة عالميًا.
الوظائف المكتبية الأكثر تأثرًا
تؤكد الدراسات المرتبطة بسوق العمل أن الوظائف القائمة على الإدخال اليدوي للبيانات والأعمال الإدارية المتكررة تعد الأكثر عرضة للتغيير بفعل الذكاء الاصطناعي.
وتشمل هذه الوظائف: مجالات السكرتارية، وخدمة العملاء، والمحاسبة الأولية، وإدارة الجداول. والأعمال التنظيمية التي تعتمد على إجراءات ثابتة يمكن تحويلها إلى أنظمة رقمية مؤتمتة.
كما يوضح التقرير أن الشركات أصبحت قادرة على استخدام أدوات ذكية تنفذ المهام التقليدية خلال دقائق بدلًا من ساعات. الأمر الذي يدفع المؤسسات إلى تقليص الحاجة لبعض الوظائف المكتبية تدريجيًا.
ونتيجة لذلك تواجه النساء تحديًا أكبر بسبب تمركزهن الواضح في هذه القطاعات مقارنة بالرجال.
علاوة على ذلك فإن بعض الوظائف النسائية لا تزال بعيدة نسبيًا عن مجالات التكنولوجيا المتقدمة والبرمجة وتحليل البيانات. وهي المجالات التي تشهد طلبًا متزايدًا في ظل الاقتصاد الرقمي الجديد.
ولذلك فإن الفجوة المهارية قد تصبح أحد أبرز التحديات المرتبطة بمستقبل التوظيف خلال السنوات المقبلة.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل
يرى خبراء الاقتصاد أن الذكاء الاصطناعي لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الوظائف بالكامل. لكنه سيغير طبيعتها بصورة كبيرة؛ حيث تتراجع الحاجة إلى الأعمال الروتينية مقابل ارتفاع الطلب على المهارات التحليلية والإبداعية والتقنية.
ومن هنا تظهر الحاجة الملحة إلى إعادة تأهيل الموظفين وتطوير قدراتهم بما يتناسب مع متطلبات السوق الجديدة.
كذلك يشير التقرير إلى أن النساء قد يواجهن صعوبة أكبر في التكيف السريع مع التحول الرقمي إذا لم تتوافر برامج تدريب فعالة تساعدهن على اكتساب المهارات المطلوبة في الاقتصاد الحديث. وتزداد هذه المخاوف مع تسارع وتيرة تبني الشركات للتقنيات الذكية في مختلف الإدارات والقطاعات.
وفي المقابل يرى مختصون أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح فرصًا جديدة للنساء في مجالات أخرى. مثل: إدارة الأنظمة الرقمية، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى، والتسويق التقني.
لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب الاستثمار في التعليم والتدريب المستمر. إضافة إلى تحديث السياسات المتعلقة بالتوظيف والتطوير المهني.
تحديات اقتصادية واجتماعية متصاعدة
تتجاوز آثار الذكاء الاصطناعي الجانب الوظيفي فقط؛ إذ تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع. خاصة إذا ارتفعت معدلات فقدان الوظائف في القطاعات المكتبية التي تعتمد عليها شريحة كبيرة من النساء.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي ذلك إلى زيادة الفجوة الاقتصادية وتقليص فرص الاستقرار المهني لبعض الفئات.
في حين تحذر تقارير اقتصادية من أن ضعف الاستعداد للتحول التقني قد يضع بعض الموظفين أمام تحديات معقدة تتعلق بإعادة التأهيل المهني والانتقال إلى وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة تمامًا عن الوظائف التقليدية الحالية.
ولهذا السبب بدأت حكومات ومؤسسات تعليمية حول العالم في توسيع برامج التدريب الرقمي لمواكبة المتغيرات المتسارعة.
وفي ظل هذه التحولات يظل مستقبل الوظائف النسائية مرتبطًا بمدى قدرة أسواق العمل على التكيف مع الثورة التقنية الحالية. إلى جانب قدرة المؤسسات التعليمية والشركات على توفير بيئة مرنة تدعم اكتساب المهارات الحديثة.
وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي توسعه داخل مختلف القطاعات، تبدو السنوات المقبلة حاسمة في تحديد شكل الوظائف الجديدة وطبيعة الفرص المتاحة للنساء في الاقتصاد الرقمي العالمي.


