لم يعد خفيًا على أحد أن وتيرة التطور التكنولوجي المتسارعة تخلف وراءها تحديًا بيئيًا واقتصاديًا هائلًا، يتمثل في تزايد كميات النفايات الإلكترونية التي تُعرف اصطلاحًا بـ “e-waste”. تتحول أجهزتنا القديمة سنويًا إلى 57.4 مليون طن من هذه النفايات، وهو ما يعادل وزن 4700 برج خليفة، وفقًا لأحدث تقرير للأمم المتحدة عام 2024. وهنا يبرز مفهوم تدوير النفايات الإلكترونية كحلٍ محوري لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة.
أضف إلى ذلك تشير التقديرات إلى أن هذه النفايات تحتوي على معادن ثمينة مثل: الذهب، والنحاس، والمعادن النادرة. والتي تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 62 مليار دولار. ومع ذلك ينتهي المطاف بـ 82% من هذه النفايات في مكبات عشوائية أو تحرق. مطلقةً سمومًا خطيرة تهدد صحة الإنسان والبيئة.
لذا يصبح تدوير النفايات الإلكترونية ضرورة حتمية لقلب هذه المعادلة وتحويل التحدي إلى فرصة اقتصادية وبيئية.
ما لا تعرفه عن نفاياتك الإلكترونية
تشكّل النفايات الإلكترونية “كارثة خفية” نظرًا للمخاطر الصحية والبيئية الجسيمة التي تحملها. وتحتوي العديد من المكونات الإلكترونية، مثل الشاشات والبطاريات، على مواد سامة وقاتلة كالرصاص، والكادميوم، والزئبق. وهي مواد مسرطنة تتسرب بسهولة إلى المياه والتربة. ملوثةً مصادرنا الطبيعية وتشكّل تهديدًا مباشرًا على صحة الإنسان.
علاوة على ذلك يفاقم حرق البلاستيك المحيط بالمكونات الإلكترونية من هذه المخاطر؛ حيث يطلق ديوكسينات أشد سميّة بـ 67000 مرة من السيانيد. وذلك بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

الهدر الاقتصادي الصادم
هذا الهدر البيئي يترافق مع هدر اقتصادي صادم؛ فطن واحد من الهواتف المحمولة -على سبيل المثال- يحتوي على ذهب أكثر بـ 100 مرة من طن واحد من خام الذهب التقليدي، وفقًا لتقرير الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2023. وهو ما يؤكد القيمة الهائلة للموارد التي يمكن استردادها من خلال تدوير النفايات الإلكترونية.
كما أن إعادة تدوير مليون هاتف محمول فقط يمكن أن يسهم في استعادة 35,274 كجم من النحاس، و772 كجم من الفضة، و75 كجم من الذهب. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل دعوة صريحة للعمل نحو استغلال هذه الثروات المدفونة التي تهدر كل يوم.
وفي المقابل يمكن لتحويل هذه النفايات إلى موارد قابلة للاستخدام أن يعزز من الاقتصاد الدائري، ويقلل الاعتماد على التعدين التقليدي الذي يُكلف البيئة خسائر فادحة. ويعد تدوير النفايات الإلكترونية إحدى الركائز الأساسية لهذا الاقتصاد؛ حيث يسهم في إغلاق حلقات الإنتاج والاستهلاك. ويسمح للشركات بإعادة استخدام المواد بدلًا من استنزاف الموارد البكر.
بين التشريع الذكي والتكنولوجيا والوعي
في السياق ذاته لا يمكن مواجهة تحدي النفايات الإلكترونية دون تبني حلول شاملة تعتمد على ثلاث ركائز أساسية: التشريعات الصارمة، والتكنولوجيا المتطورة، وتمكين المستهلك. وبالطبع فإن هذه التشريعات الصارمة تعد بمثابة الخطوة الأولى نحو تنظيم هذه الصناعة. فالتحول من مفهوم “المسموح” إلى “الإلزامي” في تدوير النفايات الإلكترونية أمر حيوي.
وإلى جانب ذلك يسهم توسيع نطاق “مسؤولية المنتِج الممتدة” (EPR) في تحميل الشركات المصنعة مسؤولية جمع منتجاتها المستهلكة وإعادة تدويرها. وتلزم 78 دولة الآن الشركات بهذه المسؤولية، وفقًا لتحديث اتفاقية بازل لعام 2024.
ويعد الاتحاد الأوروبي نموذجًا رائدًا في هذا المجال؛ حيث يعاد تدوير 55% من النفايات الإلكترونية بفضل نظام EPR الإلزامي. وهو ما يبرز أهمية الإطار القانوني في تحقيق أهداف تدوير النفايات الإلكترونية.
تكنولوجيا التدوير المتطورة
تمثل تكنولوجيا التدوير المتطورة المحور الثاني في هذا الحل الثلاثي؛ حيث تطورت هذه التكنولوجيا من مجرد الكسارات إلى ما يعرف بـ “التعدين الحضري”. وعادةً ما تستخدم المصانع الآلية الذكية روبوتات مزودة بكاميرات ذكية لتحديد مكان البطاريات بدقة وإزالتها دون تكسير. وذلك ضمن مبادرة StEP التابعة للأمم المتحدة.
وبالتأكيد هذه التقنيات تسهم في استخلاص المعادن بنقاوة تصل إلى 99% باستخدام أجهزة فصل بالاهتزاز والطرد المركزي.
أما التقنيات الخضراء الناشئة فهي تفتح آفاقًا جديدة في تدوير النفايات الإلكترونية. ويتضمن ذلك الاستخلاص البيولوجي الذي يستخدم بكتيريا معينة “لتآكل” لوحات الدوائر واستخراج الذهب منها، وذلك وفقًا لأبحاث جامعة ييل عام 2023. كذلك تسهم تقنية الانحلال الحراري في تحويل البلاستيك الإلكتروني إلى وقود دون انبعاثات سامة. وهذا يقلل من الأثر البيئي لهذه العملية.
كيف تساهم وأنت في منزلك؟
لا يكتمل الحل دون تمكين المستهلك؛ فهو حلقة وصل أساسية في سلسلة تدوير النفايات الإلكترونية. وفي هذا الإطار يمكن للمستهلكين المساهمة بفعالية من خلال معرفة خريطة النقاط الرسمية لجمع النفايات الإلكترونية في بلدانهم.
وفي المملكة العربية السعودية يتوفر برنامج “إعادة تدوير” الذي يضم أكثر من 600 نقطة جمع. بينما في الإمارات العربية المتحدة تقدم مراكز “تدوير” خدماتها في مواقع، مثل: مول الإمارات ومدينة مصدر.
وعلاوة على ذلك تشجع مبادئ “الصيانة قبل الاستبدال” على تمديد عمر الأجهزة الإلكترونية. وفي سياق ذلك يشير تقرير منظمة “جرينبيس” لعام 2024 إلى أن تمديد عمر الجهاز سنة واحدة يخفض بصمته الكربونية بنسبة 30%. ويعد التصنيف الذكي للنفايات قبل التخلص منها خطوة مهمة؛ فالهواتف ينبغي أن تسلم لمراكز معتمدة بعد إزالة البطارية. والشاشات ينبغي ألا تكسر وتنقل سليمة لمنشأة متخصصة. والبطاريات لا بد أن توضع في حاويات منفصلة لخطورة تسربها.
لماذا لا تزال نسبة التدوير منخفضة؟
على الرغم من الفرص الهائلة التي يقدمها تدوير النفايات الإلكترونية لا تزال نسبة التدوير منخفضة عالميًا. وتعود هذه المشكلة إلى عدة تحديات كبرى. ويعد تعقيد تصميم الأجهزة أحد أبرز هذه التحديات؛ فاستخدام اللاصقات غير القابلة للإزالة ودمج المكونات يصعب عملية التفكيك. على الرغم من أن شركات مثل: أبل وسامسونج بدأت في تبسيط التصاميم مؤخرًا.
ويضاف إلى ذلك تحدي التمويل؛ حيث تكلف مصانع التدوير المتطورة أكثر من 20 مليون دولار. ما يحد من انتشارها في الدول النامية التي تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة. كما يمثل الوعي المجتمعي عاملًا حاسمًا؛ فـ 65% من المستهلكين لا يعرفون مواقع التدوير الرسمية، وفقًا لاستطلاع الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2023. وهو ما يبرز الحاجة الملحة لحملات توعية واسعة النطاق.

اقتصاد دائري ناشئ ولا وقت للانتظار
على الجانب المشرق تشير التوقعات إلى أن السوق العالمية لإعادة التدوير سوف تتجاوز 100 مليار دولار بحلول عام 2030، وفقًا لتقرير “جلوبال ماركت إنسايتس”. ما يشكّل فرصة واعدة لاقتصاد دائري ناشئ. فهناك نماذج ملهمة تثبت جدوى تدوير النفايات الإلكترونية، مثل: غانا التي أنشأت أول مصنع إفريقي لاستخلاص الذهب من النفايات الإلكترونية بالتعاون مع الأمم المتحدة. وسنغافورة التي تحول 97% من نفاياتها الإلكترونية إلى مواد خام جديدة.
وفي النهاية لم يعد هناك وقت للانتظار؛ فبحسب تحذير منظمة الصحة العالمية لعام 2024 يتعرض 18 مليون طفل في الدول النامية لسموم النفايات الإلكترونية أثناء تفكيكها يدويًا. ويكمن الحل ليس فقط في التكنولوجيا، بل في إعادة تعريف علاقتنا بالتكنولوجيا: شراء أقل، وإصلاح أكثر، وتدوير بإتقان. فكل هاتف نعيده ليس مجرد جهاز قديم، بل خطوة نحو إنقاذ إنسان واسترداد كنز، وتحقيق مستقبل أكثر استدامة.


