اعتدنا جميعًا سماع النصيحة القائلة إن من الأفضل أن نترك حياتنا الشخصية في المنزل، لكن هذه النصيحة بدأت تفقد صلاحيتها.
وفي عالم اليوم الذي لا يتوقف على مدار الساعة، يمكن لإظهار قدر من الهشاشة أن يرتقي بمسيرتنا المهنية وعلاقاتنا بزملائنا إلى آفاق جديدة.
قد يبدو كشف أوراقك الشخصية كلها في العمل فكرة سيئة. وإذا كنت مثل كثيرين، فربما تنظر إلى الهشاشة والقوة الداخلية باعتبارهما مفهومين متناقضين تمامًا.
وينبع هذا التصور الخاطئ من الاعتقاد بأن طلب المساعدة أو الاعتراف بعدم امتلاك الإجابة يمثل ضعفًا.
لكن الحقيقة أن قدرتك على الظهور أمام الآخرين على حقيقتك، بكل ما فيك من نقاط قوة ونقائص، يمكن أن تثير ردود فعل إيجابية للغاية من زملائك، بمن فيهم المديرون والموظفون. والمفتاح هو أن تعرف كيف ومتى تُظهر هشاشتك.
قوة أن تكون على حقيقتك
في كثير من مواقف العمل يمكن أن يتحول استعدادك لإظهار شخصيتك الحقيقية إلى نقطة انطلاق للابتكار والتغيير والتعاون.
كما يمكن أن يقودك إلى اكتشافات غير متوقعة عن نفسك، ويفتح أمامك أبوابًا لفرص جديدة وتطور شخصي.
ولعل هذا هو السبب الذي دفع ديفيد سولومون؛ الرئيس التنفيذي لـ«جولدمان ساكس»، إلى حث فريقه التنفيذي على أن يكون أكثر صدقًا وعفوية، من خلال مشاركة اهتماماتهم خارج العمل مع بعضهم بعضًا. وهو يدرك جيدًا فوائد ذلك.
وسولومون يمارس العمل كمنسق موسيقى منذ سنوات، وأسهمت هذه الهواية غير المعتادة في بناء علاقات ربما لم يكن يستطيع إنشاءها لولاها.
وبالطبع قد يكون من الصعب أن تضع نفسك في موقف مكشوف أمام الآخرين، خصوصًا إذا أدى ذلك إلى خوض محادثة صعبة. ولهذا السبب تأتي أهمية التدريب والممارسة، لا سيما بالنسبة إلى الأشخاص غير المعتادين على طلب المساعدة أو طرح أفكارهم على الآخرين.
تذكر العبارة التي اختارها كيفن لاف، لاعب كليفلاند كافالييرز، عنوانًا لمقال كتبه بنفسه: «الجميع يمر بشيء ما». إذ روى لاف في المقال كيف أصيب بنوبة هلع في منتصف إحدى المباريات. وبدلًا من إخفاء تجربته، شاركها على أمل أن يدفع كشفه عن هشاشته الآخرين إلى التوقف عن دفن حقيقتهم.
قد تلقى كلمات لاف صدى لدى العاملين في مختلف المستويات المهنية، لكن هذا لا يعني أنهم سيقبلون فورًا بفكرة إظهار هشاشتهم. فقد يجد القادة صعوبة في وضع أنفسهم بمواقف قد تكون محرجة، بينما لا يريد الموظفون الأقل خبرة أن يظن مديروهم أنهم غير قادرين على أداء مهامهم.
ومع ذلك، فإن الصراحة والتعامل بصدق مع الآخرين يمثلان طريقًا جيدًا لتحقيق تقدم أكبر في العمل.
وفي نهاية المطاف يتطلب الأمر قدرًا هائلًا من الثقة بالنفس لكي تأخذ نفسًا عميقًا وتقول: «لا أستطيع حل هذه المشكلة بمفردي، وأحتاج إلى نصيحة».
تصالح مع جانبك الهش
إذا كنت بدأت للتو في إدراك فوائد إظهار هشاشتك في العمل، فابدأ رحلتك بالتدرب على السلوكيات التالية:
1. اطلب المساعدة عندما تحتاج إليها
هل مجرد التفكير في الذهاب إلى مديرك لمناقشة مشكلة شخصية يجعلك تشعر بالتوتر الشديد؟ ربما وقعت فريسة للاعتقاد بأنه يجب عليك أن تكون بخير دائمًا، حتى لو كان ذلك يعني التظاهر.
لا يدرك كثير من الموظفين أن بيئات العمل اليوم أصبحت أكثر انفتاحًا لمساعدة العاملين على مواجهة الصعوبات، وأنها تضع برامج مخصصة للتعامل مع القضايا الشاقة.
وتحدثت كريستن برزانو، التي تشغل منصبًا رفيعًا في مركز «كابيتال وان غاراج» للابتكار، عن تجربتها الشخصية مع إظهار الهشاشة خلال مؤتمر «ساوث باي ساوث ويست».
وتذكرت أنها، بعد عدة أشهر من ولادة ابنها، أدركت أنها تعاني اكتئاب ما بعد الولادة. وعندما تمكنت أخيرًا من استجماع قوتها الداخلية وإخبار مشرفها بما تمر به، شعرت بالارتياح بسبب الترحيب الذي أبداه مديرها.
واتضح أن مديرها مر بتجربة مشابهة. وأدى الحوار بينهما إلى بناء رابطة عززت الاحترام المتبادل. والأهم من ذلك أن كريستن برزانو حصلت على المساعدة التي كانت تحتاج إليها لتجاوز تلك الفترة الصعبة.
2. انظر إلى الفشل باعتباره خطوة نحو الأمام
عندما تفشل في شيء ما، حاول أن تنظر إليه بموضوعية بدلًا من الاستسلام للإحباط. فالفشل فرصة للتكيف والتعلم وتغيير المسار والتأمل، وليس وقتًا للانشغال به بلا نهاية.
إن النظر إلى الجوانب الإيجابية، مثل ما ينبغي أن تفعله بعد ذلك أو كيفية تجنب الفشل نفسه مرة أخرى، يساعدك على النهوض من الموقف. كما يمنحك القدرة على الحديث عن التجربة، وهو ما يُظهر جانبك الإنساني، وربما يمنح الآخرين رؤى مفيدة أيضًا.
علاوة على ذلك، قد تقودك التجربة إلى ابتكار حلول جديدة للمضي قدمًا.
وتقول كيري غوييت؛ رئيسة شركة «أبيريو كونسلتنغ غروب»، إنها دربت نفسها على التوقف عن التفكير في «ماذا لو؟» وفي إخفاقات الحياة.
وكتبت: «اليوم بدلًا من إغلاق الباب أمام فرصة تضعني في موقف أشعر فيه بالهشاشة، أسأل نفسي: هل تمنحني هذه الفرصة مجالًا للنمو؟ وماذا لو فشلت؟».
وتتأمل كيري الدروس التي يمكن أن تستخلصها من الفرصة، مضيفة أن هناك دائمًا عددًا لا بأس به منها.
خذ من كيري مثالًا، وضع إستراتيجيتك الخاصة التي تساعدك على الشعور بمزيد من الارتياح تجاه خوض المخاطر.
3. اعترف بأنك لا تعرف كل شيء
لا شك أنك تتمنى لو كنت تملك إجابات كل الأسئلة. ومن لا يريد ذلك؟ لكن الحقيقة أنك لا تملكها، ولا يوجد إنسان يملكها.
وكلما أسرعت في تقبل هذه الحقيقة، تمكنت أسرع من البحث عن المعلومات التي تسد فجوات معرفتك.
ويولي جيم هودان؛ الرئيس التنفيذي لشركة «روت إنك»، أهمية كبيرة لمعرفة نقاط ضعفه، إلى حد أنه طلب من الموظفين الذين يعملون تحت إدارته إرسال أسئلة تتعلق بالمنظمة ليجيب عنها.
وعندما تلقى أسئلة تتجاوز حدود معرفته، دعا الآخرين إلى مشاركة أفكارهم وآرائهم. وكانت خطوة أسهمت في تحقيق نتائج مهمة، رغم أنها تطلبت منه أن يظهر جانبًا من هشاشته حتى تنجح.
ولست مضطرًا إلى تقليد ما فعله هودان، لكن لا ينبغي أن تخشى إخبار المحيطين بك بأنك تفتقر إلى المعرفة في موضوع محدد.
والتظاهر بأنك تعرف أكثر مما تعرفه بالفعل قد ينقلب عليك بصورة كارثية. لماذا تعرض نفسك لموقف أكثر إحراجًا في المستقبل من خلال الكذب؟
ما عليك سوى القول: إنك بحاجة إلى البحث عن إجابة السؤال. فهذا أقل إرهاقًا وأكثر أخلاقية على المدى الطويل، حتى لو كان الاعتراف بعدم امتلاك إجابة فورية يجعلك تشعر بعدم الارتياح في البداية.
الصدق مع نفسك ومع الآخرين
نحن جميعًا نستحق أن نكون على حقيقتنا طوال اليوم، بما في ذلك عندما نكون في العمل.
إن تقبل هشاشتنا يمكن أن يقربنا أكثر من عيش حياة صادقة بنسبة 100%. كما يمكن أن يمنحنا قدرًا أكبر بكثير من الرضا مقارنة بالاختباء خلف قناع من التظاهر.
في بيئة العمل ليست القوة دائمًا في أن تبدو وكأنك تملك كل الإجابات، أو أنك لا تحتاج إلى أحد. أحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن تمتلك الشجاعة للاعتراف بما لا تعرفه، وطلب المساعدة عندما تحتاج إليها، والتعامل مع أخطائك باعتبارها فرصًا للتعلم، والظهور أمام الآخرين كما أنت بالفعل.
وحين تتخلى عن الحاجة إلى الظهور بمظهر الشخص الذي لا يخطئ ولا يتعثر ربما تكتشف أن الطريق إلى التطور المهني والشخصي يبدأ تحديدًا من النقطة التي توقفت فيها عن التظاهر بأنك كامل.


