يصل كل مؤسس شركة، عاجلًا أم آجلًا، إلى لحظة يشعر فيها بأنه اصطدم بجدار غير مرئي. الشركة تنمو، والفريق يتوسع، والمؤشرات تبدو إيجابية من الخارج، لكن الواقع الداخلي يختلف تمامًا.
الإرهاق يتزايد، والمسؤوليات تتراكم، ويلازم المؤسس خوف مستمر من أن ينهار كل شيء بمجرد أن يبتعد خطوة إلى الوراء.
هذه المشاعر طبيعية؛ لأنها نتاج سنوات من بناء الشركة من الصفر. لكن المشكلة أن السلوكيات التي ساعدت المؤسس على تجاوز البدايات قد تصبح لاحقًا أكبر عقبة أمام استمرار النمو.
فخ السيطرة الكاملة
لا يتمسك المؤسسون بكل تفاصيل العمل لأنهم يرفضون التفويض، بل لأنهم يشعرون بمسؤولية كبيرة تجاه ما بنوه بأيديهم.
فكل عميل، وكل إجراء، وكل موظف جديد يمثل جزءًا من قصة الشركة. لذلك يبدو التخلي عن بعض المهام وكأنه تخلي عن المسؤولية نفسها.
لكن البقاء منغمسًا في التنفيذ اليومي لفترة طويلة يحمل ثمنًا باهظًا. فالإرهاق الذهني يتزايد، ويتوقف الموظفون عن تقديم الأفكار عندما يدركون أن المدير سيعيد تنفيذ أعمالهم بنفسه، بينما يجد المؤسس نفسه يؤدي دور الموظف بدلًا من أن يقود الشركة.
ويقول مات تروها؛ نائب رئيس شركة AnswerHero، إن أصعب مرحلة واجهتها شركته أثناء النمو كانت الانتقال من المشاركة في كل التفاصيل اليومية إلى بناء فريق يتحمل المسؤولية.
وأضاف أن مقاومة الرغبة في التدخل كانت صعبة، لكن الثقة في الفريق كانت العامل الذي سمح للشركة بمواصلة التوسع.
التفويض لا يعني الغياب
يعتقد كثيرون أن التفويض يعني الابتعاد عن العمل، بينما الحقيقة أنه يتطلب جهدًا مختلفًا وأكثر أهمية.
ونجاح التفويض يبدأ بتحديد التوقعات بوضوح. لأن التعليمات الغامضة تؤدي إلى نتائج غامضة، وهو ما يدفع المؤسس إلى استعادة السيطرة مرة أخرى.
وعندما يعرف الموظفون ما المطلوب منهم، ولماذا ينفذونه، وكيف يتم تقييم نجاحهم، يصبح تحمل المسؤولية جزءًا طبيعيًا من ثقافة العمل.
ويؤكد تروها أن شركته تعتمد على وضع توقعات واضحة وتعزيز ثقافة تقوم على تحمل المسؤولية والسعي المستمر إلى التطوير.
فيما أشار إلى أن هذه الثقافة لا تتشكل تلقائيًا، وإنما تُبنى من خلال القرارات اليومية التي يتخذها القادة بشأن ما يكافئونه وما يصححونه وما يتجاهلونه.
عندما تتغير وظيفة المؤسس
مع نمو الشركة تتغير طبيعة دور المؤسس، حتى وإن لم يدرك ذلك فورًا.
في المراحل الأولى، كانت قيمته الحقيقية تكمن في التنفيذ وحل المشكلات وأداء كل الأدوار بنفسه. أما بعد توسع الشركة، فإن دوره يصبح أكثر ارتباطًا بوضع الرؤية، وبناء الفريق المناسب، واتخاذ عدد أقل من القرارات، لكنها تكون أكثر تأثيرًا.
وقد يشعر بعض المؤسسين بأن ابتعادهم عن التفاصيل اليومية يعني تراجع أهميتهم داخل الشركة، لكن الواقع مختلف تمامًا. فالشركة لا تحتاج إلى أن يؤدي المؤسس كل شيء بنفسه، بل تحتاج إلى أن يضمن وجود الأشخاص القادرين على أداء هذه المهام بكفاءة.
صحتك جزء من خطة النمو
لا يظهر الاحتراق الوظيفي فجأة، بل يتسلل تدريجيًا مع اتساع الفجوة بين ما يقدمه المؤسس وما يحصل عليه من راحة وتجديد للطاقة.
وغالبًا ما يدفع المؤسسون المنغمسون في التفاصيل اليومية الثمن على المستوى الشخصي قبل أن ينعكس ذلك على أداء شركاتهم، فتتراجع جودة النوم، وتتأثر العلاقات الشخصية، ويختفي الوقت المخصص للتفكير والإبداع تحت ضغط المهام المتكررة.
وتشير دراسة نشرتها مجلة Fortune إلى أن المؤسسين الذين يفشلون في وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية تزيد احتمالات تعرضهم للاحتراق الوظيفي بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمن يحافظون على هذا التوازن.
النمو يبدأ بالتخلي عن السيطرة
التخلي عن بعض المهام لا يعني التخلي عن الشركة، بل يمثل خطوة ضرورية للوصول إلى مرحلة جديدة من النمو.
والمؤسس الذي يحافظ على طاقته، ويثق في فريقه، ويركز على القرارات الإستراتيجية بدلًا من التفاصيل التشغيلية، يمنح شركته فرصة أكبر للاستمرار والتوسع.
وفي النهاية، فإن القيادة الحقيقية لا تعني فعل كل شيء بنفسك، وإنما بناء فريق قادر على النجاح حتى عندما لا تكون موجودًا في كل اجتماع أو كل قرار.


