أخبرني أحد عملائي، ولنطلق عليه اسم ستيف، أنه يعرف شخصًا يستحوذ على كل مساحة الحديث في أي اجتماع. وكأنه لا يترك مجالًا للآخرين للتنفس.
كان هذا الشخص شديد الذكاء، لكنه يتحدث أكثر مما ينبغي. إلى درجة أنه يثير انزعاج كل من حوله.
والمفارقة أنه لم يكن يدرك ذلك مطلقًا؛ لأن المحيطين به لم يجرؤوا على مصارحته. كما أنه لم يبادر يومًا إلى طلب تقييم صريح للطريقة التي يراه بها الآخرون.
إن الصورة التي تتكون لدى الآخرين عنك تؤدي دورًا أساسيًا في تقدمك المهني. لكن هل تعرف حقًا كيف يراك زملاؤك ورؤساؤك داخل المؤسسة؟ وحتى إذا كنت تعتقد أنك تعرف، فهل أنت متأكد من أن تصورك يعكس الحقيقة؟
إحدى أفضل الطرق لاكتشاف ذلك بسيطة للغاية: اسأل الآخرين مباشرة.
اطلب رأيًا صريحًا من مديرك المباشر، وزملائك، وأشخاص لا تربطك بهم علاقة إدارية مباشرة. ومن يشغلون مناصب أعلى منك، وكذلك رئيسك الأعلى أو عملائك الرئيسين، بل حتى أشخاص من خارج المؤسسة.
في حين أن فهم الطريقة التي يراك بها الآخرون يمثل خطوة مهمة في تطوير ذاتك. وتحسين أدائك المهني.
وإليك 8 نصائح تساعدك على طلب الملاحظات والاستفادة منها. بما يتيح لك التأثير بصورة إيجابية في الانطباع الذي تتركه لدى الآخرين في العمل.
8 خطوات لاكتشاف الصورة التي يراك بها الآخرون
1- اختر الوقت والمكان المناسبين لطلب التقييم
احرص على إجراء الحديث في وقت لا تكون فيه أنت أو الشخص الذي تطلب رأيه منشغلين بمهام أخرى أو واقعين تحت ضغط العمل.
ومن الأفضل أن تختار مكانًا خاصًا بعيدًا عن المقاطعات والمشتتات. وربما يكون من المفيد تحديد موعد مسبق للمحادثة، حتى تمنح الطرف الآخر فرصة للتفكير في الطريقة التي يراك بها، بدلًا من الاكتفاء بإجابات سريعة أو انطباعات عابرة.
بينما ترتيب اللقاء مسبقًا يبعث برسالة واضحة مفادها أنك تأخذ الأمر بجدية. وأن تطوير صورتك المهنية يمثل أولوية بالنسبة إليك.
2- اشرح بوضوح لماذا تريد معرفة انطباع الآخرين عنك
كن صريحًا وواضحًا بشأن دوافعك، ولا تجعل طلبك يبدو وكأنه سؤال عابر.
فيما يمكنك مثلًا أن تقول لأحد زملائك: «أريد التأكد من أنني أقدم صورة مهنية جيدة عن نفسي. شاهدتني أتعامل مع العملاء والموردين عندما واجهتنا بعض المشكلات، وأود أن أعرف كيف أبدو في مثل هذه المواقف، وما الانطباع الذي أتركه لديهم».
بينما يساعد هذا الأسلوب الطرف الآخر على فهم ما تبحث عنه تحديدًا. ويمنحه مساحة لتقديم ملاحظات أكثر ارتباطًا بسلوكك الفعلي.
3- أكد أنك لا تبحث عن المجاملة بل رأي صادق
قد يتردد البعض في مصارحتك، أو يكتفون بإخبارك بما يعتقدون أنك ترغب في سماعه. خوفًا من جرح مشاعرك أو إثارة رد فعل دفاعي منك.
ولتشجيعهم على الحديث بصراحة، يمكنك أن تبدأ بالاعتراف بأحد عيوبك أو السلوكيات التي تحاول تغييرها.
على سبيل المثال، قل: «أعرف أنني أحيانًا أفقد صبري، وقد أقاطع الآخرين للوصول سريعًا إلى النقطة الأساسية. أحاول العمل على هذه المشكلة، لكن هل لاحظت سلوكيات أخرى في طريقة تعاملي مع الناس؟ وهل سبق أن سمعت ملاحظات من الآخرين بشأن أسلوبي؟».
عندما تُظهر استعدادك للاعتراف بنقاط ضعفك، يصبح من الأسهل على الآخرين التحدث بحرية. لأنهم يدركون أنك لا تنتظر منهم الثناء، بل تبحث عن فرصة حقيقية للتحسن.
4- لا تتخذ موقفًا دفاعيًا مهما كان النقد قاسيًا
هذه واحدة من أهم الخطوات على الإطلاق. فحتى إذا لم تكن تقصد الدفاع عن نفسك، قد توحي بعض الكلمات أو نبرة الحديث بأنك ترفض الاستماع إلى النقد أو تتعامل معه باعتباره هجومًا شخصيًا.
عندما تسمع ملاحظة سلبية، تجنب الأسئلة التي تحمل طابعًا تصادميًا. مثل: «ماذا تقصد؟» أو «لماذا تقول ذلك؟» أو «هل الجميع يرونني بهذه الصورة؟».
مثل هذه الردود قد تجعل الطرف الآخر يتراجع عن صراحته. وتحوّل الحوار من فرصة للتعلم إلى نقاش هدفه تبرير سلوكك والدفاع عنه.
وتذكر أنك طلبت هذا التقييم بإرادتك، وبالتالي فإن تقبله بهدوء جزء أساسي من الاستفادة منه.
5- اطلب أمثلة محددة تدعم الملاحظات التي تتلقاها
إذا تلقيت نقدًا يتعلق بسلوك معين، فمن الأفضل الابتعاد عن ردود الفعل العاطفية. والتركيز على الوقائع والمواقف التي تعكس هذا السلوك.
وإذا أخبرك أحد زملائك بأنك تصر دائمًا على تنفيذ الأمور بطريقتك الخاصة. يمكنك أن تقول: «لم أكن أدرك أن البعض قد يراني بهذه الصورة، فهذا بالتأكيد ليس الانطباع الذي أريد تركه. هل يمكنك تذكر مواقف حدث فيها ذلك مؤخرًا؟ وهل هناك أمثلة جعلت الآخرين يشعرون بأنني لا أتقبل وجهات نظرهم؟».
تساعدك الأمثلة العملية على فهم المشكلة بصورة أدق، بدلًا من التعامل مع أوصاف عامة قد يصعب تحويلها إلى خطوات قابلة للتغيير.
كما أنها تمنحك فرصة للتمييز بين الانطباع الشخصي للطرف الآخر. وبين السلوك المتكرر الذي قد يحتاج بالفعل إلى معالجة.
6- اشكر من يقدم لك رأيًا صريحًا واطلب مساعدته لاحقًا
أظهر تقديرك لوقت الشخص الذي شاركك ملاحظاته، وأكد له أن رأيه مهم بالنسبة إليك وأنك تنوي الاستفادة منه.
ولا تكتفِ بالشكر، بل يمكنك أن تطلب منه مساعدتك في متابعة تقدمك مستقبلًا.
مثلًا، قل: «سأحاول الانتباه إلى عدم الاستحواذ على الحديث في الاجتماعات. فأنا بالفعل أريد سماع آراء الآخرين. وإذا لاحظت أنني عدت إلى هذا السلوك، فلا تتردد في تنبيهي. لن أعتبر ذلك انتقادًا شخصيًا، بل مجرد تذكير ودي بأن أترك مساحة أكبر للآخرين».
بهذه الطريقة، يتحول التقييم من محادثة لمرة واحدة إلى وسيلة مستمرة لمتابعة تطورك وتحسين أسلوبك في التعامل.
7- كرر التجربة مع أشخاص آخرين وابحث عن القواسم المشتركة
لا تعتمد على رأي شخص واحد في تقييم صورتك المهنية. بل اطلب ملاحظات من أشخاص مختلفين يتعاملون معك في سياقات متعددة.
وقارن بين ما تسمعه منهم، وحاول تحديد الملاحظات المتكررة والأنماط المشتركة.
وإذا أشار أكثر من شخص، بصورة مستقلة، إلى أنك تقاطع الآخرين باستمرار. أو لا تمنحهم مساحة كافية للتعبير عن آرائهم، فمن المرجح أن هناك سلوكًا يستحق اهتمامك.
وفي المقابل إذا اتفقت الآراء على أنك تجيد إدارة النقاشات أو تمتلك قدرة جيدة على حل المشكلات، فهذه نقاط قوة ينبغي أن تحافظ عليها وتعمل على إبرازها بصورة أكبر.
والهدف ليس تغيير كل انطباع سلبي تسمعه، بل التمييز بين الملاحظات التي تكشف عن جوانب حقيقية تحتاج إلى تطوير، وتلك التي تعكس اختلافًا في وجهات النظر أو التوقعات.
8- حوّل الملاحظات إلى خطوات عملية
إذا أدرت جلسات التقييم بصورة جيدة، فستخرج منها بمعلومات مهمة يمكن أن تساعدك على أن تصبح موظفًا أو مديرًا أو زميلًا أكثر فاعلية.
لكن معرفة نقاط الضعف وحدها لا تكفي؛ فالخطوة الأهم هي وضع خطة واضحة لمعالجة الانطباعات السلبية التي قد تكون تتركها لدى الآخرين. بالتوازي مع تعزيز الجوانب الإيجابية التي تريد أن ترتبط صورتك المهنية بها.
وحدد السلوكيات التي تحتاج إلى تغيير، وضع خطوات قابلة للتنفيذ. ثم تابع مدى تقدمك من خلال ملاحظات الأشخاص الذين طلبت آراءهم.
وتذكر أن الطريقة التي يراك بها الآخرون ليست مجرد مسألة تتعلق بالسمعة الشخصية، بل عنصر مؤثر في فرص التقدم الوظيفي وتحقيق النجاح المهني.
تغيير الانطباع.. بداية الطريق إلى التقدم المهني
إن فهم الصورة التي يكوّنها الآخرون عنك لا يعني أن تجعل نفسك أسيرًا لآرائهم، أو أن تسعى إلى إرضاء الجميع. بل يتعلق الأمر بإدراك الفجوة المحتملة بين الطريقة التي ترى بها نفسك والطريقة التي يتعامل بها الآخرون معك.
وقد تكون لديك مهارات وخبرات قوية، لكن بعض السلوكيات غير المقصودة تحول دون ظهورها بالشكل المناسب، أو تجعل الآخرين أقل استعدادًا لمنحك فرصًا أكبر.
لذلك، فإن طلب التقييم بانتظام، والاستماع إلى النقد دون دفاعية، ثم تحويل الملاحظات إلى تغييرات ملموسة، يمكن أن يساعدك على تحسين حضورك المهني وزيادة تأثيرك داخل المؤسسة.
والتقدم في المسار الوظيفي لا يعتمد فقط على ما تعرفه أو ما تستطيع إنجازه، لكنه يتأثر أيضًا بكيفية إدراك الآخرين لقدراتك وقيمتك المهنية.


