تخيم سحب الشك الاقتصادي فوق واشنطن، إذ تلوح في الأفق بوادر إغلاق حكومي محتمل، وهو مفهوم بالغ التعقيد يستوجب إزالة الغموض عنه لفهم تبعاته.
الأمر كله يبدأ من ممرّات الكونجرس الأمريكي، حيث تجمدت المفاوضات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والديمقراطيين حول مشاريع قوانين تمويل الحكومة. وهو ما يهدد بتوقف وشيك للعديد من العمليات الفيدرالية مع حلول فجر غد الأربعاء. وهكذا، تضعنا المعركة الحزبية الساخنة أمام سيناريو تعليق خدمات عامة حيوية. ما يجبر آلاف الموظفين الفيدراليين على إجازة قسرية غير مدفوعة الأجر.
ومع تفاقم هذا الجمود المالي والسياسي العميق، يستدعي المشهد ضرورة فهم جوهر هذا التوقف القسري. فـ “الإغلاق الحكومي” يعني أساسًا توقف معظم العمليات والخدمات “غير الأساسية” التي تقدمها الوكالات والإدارات الفيدرالية. وذلك يحدث لأن الكونجرس فشل في تمرير قوانين الاعتمادات السنوية اللازمة لإنفاق الأموال، وفقًا لقانون مكافحة العجز. ونتيجة لذلك، لا تقتصر التبعات على الموظفين المسرحين فحسب، بل تمتد لتؤثر على المتعاقدين، وتعطيل الخدمات المعتادة، بل وتهديد الاقتصاد الوطني ككل.
تعريف وتفاصيل الإغلاق الحكومي
ويعرّف الإغلاق الحكومي، كما يستخدم هذا المصطلح غالبًا في الولايات المتحدة، بأنه توقف قسري لمعظم العمليات والخدمات غير الأساسية. هذه الخدمات هي تلك التي لا تعد ضرورية لحماية الأمن القومي، أو الصحة العامة، أو السلامة العامة. أو الممتلكات التي تقدمها مجموعة من الإدارات والوكالات الفيدرالية.
ويحدث غياب التمويل نفسه بسبب فشل الكونجرس في تمرير، أو رفض الرئيس التوقيع على، واحد أو أكثر من مشاريع قوانين الاعتمادات السنوية التي يفترض عادة إقرارها مع بداية كل سنة مالية في الأول من أكتوبر. وبالتالي، يصبح الفشل التشريعي هو المسبب المباشر لتعطيل الجهاز التنفيذي.
الأسس القانونية وحدود الإنفاق
وبموجب قانون مكافحة العجز 1884، الذي جرى تعديله لاحقًا في عام 1950. وكذلك قوانين أخرى أُقرت في السبعينيات عززت سيطرة الكونجرس على عملية الموازنة، لا يجوز لمعظم الإدارات والوكالات الفيدرالية إنفاق الأموال، أو الالتزام بإنفاقها، بما يتجاوز المبالغ المحددة في قوانين الاعتمادات ذات الصلة. هذا القانون يضع حدودًا صارمة للإنفاق.
وعليه، فإذا لم يصدر الكونجرس ويوقع الرئيس بحلول الأول من أكتوبر مشروع قانون يموّل إدارة أو وكالة معينة. يتعين على هذه الجهة وجوبًا وقف جميع وظائفها غير الأساسية، والبقاء مغلقة فعليًا إلى أن يصدر قانون تمويلها، أو يصدر لها قرار تمويلي مؤقت. وإذا تم توقيع بعض مشاريع القوانين أو القرارات في الوقت المحدد دون غيرها، يطلق على الإغلاق حينها وصف “جزئي”.
دوافع الإغلاقات ونماذج سابقة
وتحدث عمليات الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة عادةً بسبب الخلافات الحزبية الحادة، حول مستويات التمويل المقترحة في التوصيات الميزانية التي يقدمها الرئيس للكونجرس في أول يوم اثنين من فبراير. وقد تنشأ هذه الأزمة أيضًا بسبب تعديلات مثيرة للجدل تضاف إلى قوانين الاعتمادات. بعضها لا علاقة له بتمويل الإدارات والوكالات الفيدرالية. ما يجعل الخلاف سياسيًا أكثر منه ماليًا.

ومن أبرز عمليات الإغلاق في تاريخ الولايات المتحدة، ذلك الإغلاق الجزئي الذي بدأ في 22 ديسمبر 2018 خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب. في تلك الواقعة، رفض ترامب التوقيع على مشروع قانون للاعتمادات يغطي تسع إدارات فيدرالية -من بينها وزارات التجارة والأمن الداخلي والإسكان والتنمية الحضرية- لأن القانون لم يخصص تمويلًا لبناء جدار على الحدود الأميركية المكسيكية، كما طلب الرئيس. وقد استمر هذا الإغلاق حتى 25 يناير 2019، ليصبح الأطول في تاريخ البلاد.
التحدي الوشيك والمواقف الحزبية
وفي أواخر سبتمبر 2025، وخلال الولاية الثانية لترامب، بدا أن إغلاقًا جديدًا وشيك يلوح في الأفق السياسي. كان السبب وراء هذا التهديد رفض أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون دعم إجراء مؤقت يمدد مستويات التمويل الحالية للحكومة حتى نوفمبر 2025.
واستند الديمقراطيون في رفضهم هذا إلى التخفيضات المرتقبة في خدمات الرعاية الصحية ضمن ميزانية الجمهوريين للسنة المالية 2025–2026. وهو ما عكس عمق الانقسام الأيديولوجي حول أولويات الإنفاق الفيدرالي.
المتأثرون بالإغلاق: الموظفون والخدمات
أكثر من يتأثر مباشرة وبشكل فوري بالإغلاق الحكومي هم موظفو الإدارات أو الوكالات التي تجبر على الإغلاق أو التوقف عن دفع رواتب العاملين. فبين مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين، يجبر معظمهم على الإجازة غير مدفوعة الأجر. فيما يلزم آخرون -خصوصًا من يقدمون خدمات أساسية مثل إنفاذ القانون وحماية الحدود ومراقبة الحركة الجوية- بالعمل دون أجر (مع تعويضهم عادةً بعد إقرار قانون الاعتمادات المناسب).
كما يتأثر أيضًا المتعاقدون مع الحكومة وموظفوهم، إضافة إلى عدد كبير من الشركات الأخرى التي تشتري منها الوكالات الفيدرالية منتجات أو خدمات. وقد واجه بعضها بالفعل الإفلاس نتيجة الإغلاق. كذلك يتأثر عموم البلاد من خلال توقف أو تباطؤ الخدمات الحكومية المعتادة مثل إصدار جوازات السفر. ومعالجة قروض أو إعانات الأعمال. بالإضافة إلى صرف المنح الفيدرالية للحكومات المحلية والولائية. وصيانة المتنزهات الوطنية، وإجراء عمليات تفتيش سلامة الغذاء.
الآثار الكلية على الاقتصاد الوطني
أما الإغلاقات الطويلة والواسعة فقد تطال الاقتصاد ككل عبر خفض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بمجرد توقف الحكومة عن العمل. على سبيل المثال، قدّر مكتب الموازنة في الكونجرس، أن الإغلاق الجزئي من ديسمبر 2018 إلى يناير 2019 خفّض الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 3 مليارات دولار في الربع الأخير من 2018، وبـ 8 مليارات دولار في الربع الأول من 2019.
ورغم توقع المكتب أن معظم الخسائر ستتعافى لاحقًا، فإنه أشار إلى أن نحو 3 مليارات دولار لن تسترد أبدًا، ما يشكل ضررًا دائمًا. وبديهي أن كلما طال أمد الإغلاق الحكومي، زادت الأضرار الاقتصادية الناتجة عنه. وهو ما يؤكد أن المسألة تتجاوز خلافات واشنطن لتؤثر على معيشة المواطنين.


