شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2024 تدفقات كبيرة من استثمارات رأس المال الجريء؛ حيث بلغت القيمة المعلنة لهذه الاستثمارات نحو 1.37 مليار دولار.
وتصدرت المملكة العربية السعودية قائمة الدول الأكثر جذبًا للاستثمارات؛ حيث استحوذت على نسبة 55.3% من إجمالي الاستثمارات، مسجلةً بذلك نحو 758.71 مليون دولار. وجاءت دولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة 22.1%، أي ما يعادل 302.6 مليون دولار.
بينما حلت جمهورية مصر العربية في المركز الثالث بنسبة 18.2%، بإجمالي استثمارات قدره 249.95 مليون دولار. ومن المثير للاهتمام أن سلطنة عمان احتلت المركز الرابع بشكل غير متوقع. مستحوذةً على 2.9% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء، بقيمة تقارب 39.8 مليون دولار.
استثمارات رأس المال الجريء
وفقًا للرصد الذي أجراه موقع “رواد الأعمال” في مجال الاستثمار الجريء، فقد سجلت الاستثمارات الكلية في المنطقة انخفاضًا ملحوظًا بنسبة 29.3% مقارنة بعام 2023. وفي الوقت الذي تراجعت فيه قيمة الاستثمار الجريء في المملكة بنسبة 29.9%، ومصر بنسبة 23.3%. شهدت الإمارات نموًا طفيفًا في هذا المجال بنسبة 2.6%.
علاوة على ذلك، تغيرت قائمة الدول الخمسة الأوائل الأكثر جذبًا لاستثمارات رأس المال الجريء في عام 2024؛ حيث حلت كل من عمان وقطر في المركزين الرابع والخامس على التوالي. بعد أن كان هذان المركزان من نصيب الكويت والبحرين في عام 2023.

تحولات اقتصادية في بيئة الأعمال
من ناحية أخرى، يعكس هذا التوزيع الجغرافي لاستثمارات رأس المال الجريء في المنطقة تحولات اقتصادية وديناميكية متغيرة في بيئة الأعمال. فبينما تحافظ المملكة على صدارتها كوجهة رئيسية للاستثمار، تظهر الإمارات العربية المتحدة ومصر كلاعبين رئيسيين في هذا المجال، وإن كانتا قد شهدتا تباينًا في أدائهما.
كذلك، فإن صعود سلطنة عمان وقطر إلى قائمة الدول الأكثر جذبًا للاستثمارات يشير إلى إمكانات النمو الكبيرة التي تتمتع بها هذه الدول، وإلى الجهود التي تبذلها لتنويع اقتصاداتها وجذب الاستثمارات الأجنبية.
قيمة استثمارات رأس المال الجريء
وفي حين أن الانخفاض العام في قيمة استثمارات رأس المال الجريء في المنطقة يثير بعض المخاوف؛ إلا أنه من الضروري النظر إلى هذا التراجع في سياقه الأوسع. فقد يكون هذا الانخفاض ناجمًا عن عوامل متعددة؛ مثل حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، وتشديد السياسات النقدية، وتغير توجهات المستثمرين.
ومع ذلك، فإن استمرار تدفق الاستثمارات إلى المنطقة، وخاصة إلى دول مثل: عمان وقطر. يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يرون فرصًا واعدة في أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
عدد الجولات الاستثمارية المغلقة في المنطقة خلال 2024
وبلغ إجمالي عدد الجولات الاستثمارية المغلقة التي تم الإعلان عنها في المنطقة خلال عام 2024، 171 جولة. مسجلًا بذلك انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بعام 2023 الذي شهد 179 جولة استثمارية. ويعكس هذا التراجع تباطؤًا في نشاط الاستثمار الجريء في المنطقة. ما يثير تساؤلات حول العوامل المؤثرة على هذا التوجه.
واستحوذ قطاع التقنية المالية على النصيب الأكبر من الجولات الاستثمارية في عام 2024، بواقع 42 جولة. وهو نفس العدد الذي سجله في عام 2023. ويشير ذلك إلى استمرار جاذبية هذا القطاع للمستثمرين، رغم التراجع العام في عدد الجولات الاستثمارية.
التجارة الإلكترونية في المركز الثاني
حل قطاع التجارة الإلكترونية في المركز الثاني من حيث عدد الجولات الاستثمارية. مسجلًا 20 جولة في عام 2024، مقابل 27 جولة في عام 2023. ويُلاحظ هنا انخفاض في عدد الجولات الاستثمارية في هذا القطاع. ما قد يعكس تغيرات في توجهات المستثمرين أو تحديات تواجه هذا القطاع.
من ناحية أخرى، شهد قطاعا الخدمات اللوجستية والتقنية التعليمية زيادة في عدد الجولات الاستثمارية. فقد ارتفع عدد الجولات في قطاع الخدمات اللوجستية من 10 جولات في عام 2023 إلى 17 جولة في عام 2024. بينما زاد عدد الجولات في قطاع التقنية التعليمية من 10 جولات إلى 15 جولة. ويشير ذلك إلى اهتمام متزايد من المستثمرين بهذين القطاعين، نظرًا لما يحملانه من فرص نمو وتطور.
في المقابل، شهد قطاعا التقنية العقارية والتقنية الصحية انخفاضًا في عدد الجولات الاستثمارية. فقد انخفض عدد الجولات في قطاع التقنية العقارية من 14 جولة في عام 2023 إلى 11 جولة في عام 2024. كذلك، تراجعت الجولات الاستثمارية في قطاع التقنية الصحية. وهو ما يستدعي مزيدًا من الدراسة لفهم أسباب هذا الانخفاض وتقييم آثاره على مستقبل هذه القطاعات.
هيمنة سعودية على أكبر الجولات الاستثمارية
تمثلت أكبر الجولات الاستثمارية في المنطقة خلال عام 2024 في الجولة التي قادتها شركة “halan” المصرية؛ حيث تمكنت من جمع 157 مليون دولار. ويأتي هذا الإنجاز بعد جولة سابقة في عام 2023 جمعت خلالها 260 مليون دولار. ما يجعل إجمالي ما جمعته الشركة نحو ثلثي إجمالي الاستثمار الذي جذبته الشركات المصرية خلال العامين. ويعد هذا النجاح دليلًا واضحًا على الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها الشركات المصرية الناشئة وقدرتها على جذب استثمارات ضخمة.
علاوة على ما فات، واصلت المملكة العربية السعودية هيمنتها على قائمة أكبر الجولات الاستثمارية المعلنة خلال عام 2024، كما فعلت في عام 2023. ويشير ذلك إلى الدور المحوري الذي تلعبه المملكة في دعم نمو الشركات الناشئة في المنطقة. وجذب الاستثمارات الضخمة إليها. في حين أن تفوق المملكة في هذا المجال يعكس الجهود الحثيثة التي تبذلها لتطوير بيئة ريادة الأعمال، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الناشئة.
من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن الجولات الاستثمارية الكبرى لم تقتصر على قطاع معين؛ بل شملت مجموعة متنوعة من القطاعات. ما يعكس حيوية المشهد الاستثماري في المنطقة. كذلك، يُلاحظ أن المستثمرين يبحثون عن فرص استثمارية واعدة في مختلف القطاعات. وهو ما يساهم في تنويع مصادر النمو الاقتصادي في المنطقة.

تدفقات كبيرة وضخمة
في ختام هذا الطرح، يتبين أن عام 2024 شهد تدفقات كبيرة من استثمارات رأس المال الجريء إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وإن كان هناك انخفاض ملحوظ في قيمتها مقارنة بعام 2023. ومع ذلك، فإن استمرار تدفق الاستثمارات، وخاصة إلى دول مثل عمان وقطر. يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يرون فرصًا واعدة في أسواق المنطقة.
كما يلاحظ أن المملكة العربية السعودية حافظت على صدارتها كوجهة رئيسية للاستثمار. بينما تظهر الإمارات ومصر كلاعبين رئيسيين، وإن كان أداؤهما متباينًا. كذلك، فإن صعود عمان وقطر إلى قائمة الدول الأكثر جذبًا للاستثمارات يعكس إمكانات النمو الكبيرة التي تتمتع بها هذه الدول.
وأما بالنسبة لعدد الجولات الاستثمارية المغلقة، فقد شهد عام 2024 انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بعام 2023. ومع ذلك، فإن قطاع التقنية المالية استمر في جذب النصيب الأكبر من هذه الجولات. وهو ما يشير في نهاية الأمر إلى استمرار جاذبية هذا القطاع للمستثمرين.
وبشكلٍ عام، يمكن القول إن مشهد الاستثمار الجريء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يزال حيويًا ومتنوعًا، وإن كان يشهد بعض التحديات.
ومن الضروري أن تستمر الجهود المبذولة لتطوير بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار في الشركات الناشئة، وتوفير الدعم اللازم لنمو هذه الشركات، حتى تتمكن من تحقيق النجاح والمساهمة في التنمية الاقتصادية في المنطقة.


