العقل البشري أعجوبة طبيعية. فهو ينتج أكثر من 50 ألف فكرة يوميًا، ويجري 100 ألف تفاعل كيميائي كل ثانية.
ومع هذه القدرة الهائلة على معالجة المعلومات قد تعتقد أن أحكامنا وقراراتنا تتمتع بدرجة عالية من الدقة. لكن الحقيقة بعيدة عن ذلك تمامًا.
وغالبًا ما تكون أحكامنا غير دقيقة لأن الدماغ يعتمد على الانحيازات المعرفية بدلًا من الأدلة القوية. والانحياز المعرفي هو الميل إلى إصدار أحكام غير عقلانية وفق أنماط متكررة.
في حين وجد الباحثون أن الانحيازات المعرفية تتسبب في فوضى حقيقية. لأنها تدفع الناس إلى إصدار أحكام سيئة وغير منطقية:
كما أوضحت دراسة أجرتها جامعة كوينزلاند أن النساء ذوات الشعر الأشقر يحصلن، في المتوسط، على رواتب أعلى 7% من ذوات الشعر الأحمر أو البني.
وقالت دراسة من جامعة ديوك إن الأشخاص ذوي الوجوه «الناضجة» حققوا نجاحًا مهنيًا أكبر من أصحاب الوجوه «الطفولية».
وعُرّفت الوجوه «الطفولية» بأنها تلك التي تتميز بذقون صغيرة وخدين أعرض وعيون أكبر، بينما تتميز الوجوه «الناضجة» بذقون أكبر وملامح وجه أضيق وعيون أصغر.
ووجدت دراسة من جامعة ييل أن العالمات كن أكثر ميلًا إلى توظيف العلماء الرجال، كما دفعن لهم رواتب تزيد 4 آلاف دولار عن رواتب العالمات.
ومن غير المرجح أن يكون الأشخاص المشاركون في هذه الدراسات أرادوا فعلًا دفع أموال أكثر للنساء الشقراوات، أو منح أصحاب الوجوه الناضجة فرصًا أكبر للنجاح على حساب أصحاب الوجوه الطفولية، أو توظيف العلماء الرجال بصورة غير متناسبة ودفع رواتب أعلى لهم.
لكن انحيازاتنا اللاواعية تكون أحيانًا قوية إلى درجة تدفعنا إلى التصرف بطرق تتعارض مع المنطق، بل حتى مع قيمنا ومعتقداتنا.
دعونا نستعرض بعض أكثر أنواع الانحيازات المعرفية شيوعًا، والتي تتغلغل في حياتنا وتؤثر في قراراتنا. فالوعي بها هو أفضل وسيلة للتغلب عليها، لذا انتبه جيدًا إلى الطريقة التي تؤثر بها فيك.
1. تأثير الطُعم
يحدث هذا التأثير عندما تعتقد أن أمامك خيارين، ثم يُطرح خيار ثالث بهدف جعل الخيار الثاني يبدو أكثر قبولًا.
لنفترض أنك ذهبت إلى معرض سيارات للتفكير في شراء إحدى سيارتين، إحداهما بسعر 30 ألف دولار والأخرى بـ40 ألف دولار.
في البداية، تبدو السيارة التي يبلغ سعرها 40 ألف دولار باهظة الثمن، فيعرض عليك البائع سيارة ثالثة بسعر 65 ألف دولار. وفجأة، تبدو السيارة التي يبلغ سعرها 40 ألف دولار معقولة عند مقارنتها بها.
هنا يستغل البائع انحياز «الطُعم» لديك؛ فالسيارة التي يبلغ سعرها 65 ألف دولار هي الطُعم الذي يعرف أنك لن تشتريه، لكنه يجعلك تنظر إلى الخيار الآخر بصورة مختلفة.
2. الاستدلال العاطفي
الاستدلال العاطفي هو ميل الإنسان إلى اتخاذ قراراته بناءً على مشاعره.
خذ مثلًا دراسة أجرتها جامعة شوكوتوكو في اليابان. طُلب من المشاركين تقييم خطورة مرض تسبب في وفاة 1,286 شخصًا من كل 10 آلاف شخص، فاعتبروه أكثر خطورة من مرض بلغت نسبة الوفيات الناجمة عنه 24.14%، رغم أن النسبة الأخيرة تمثل ضعف عدد الوفيات تقريبًا.
وتفاعل المشاركون عاطفيًا مع صورة 1,286 شخصًا يموتون، بينما لم تستدعِ النسبة المئوية الصورة الذهنية والمشاعر نفسها.
3. خطأ العزو الأساسي
يتمثل هذا الانحياز في ميلنا إلى تفسير السلوك الناتج عن ظروف معينة باعتباره صفة ثابتة في شخصية الشخص.
على سبيل المثال: غالبًا ما نعزو ضعف أداء أحد الموظفين إلى الكسل، رغم وجود تفسيرات أخرى كثيرة محتملة.
وربما يتولى هذا الشخص مشروعات لا يشعر بالحماس تجاهها، أو أن مشكلاته الأسرية تؤثر في حياته المهنية، أو أنه يعاني من الاحتراق الوظيفي.
4. تأثير الإيديو-متر
يشير هذا التأثير إلى حقيقة أن أفكارنا يمكن أن تجعلنا نشعر بمشاعر حقيقية.
ولهذا السبب يتخيل الممثلون سيناريوهات مؤلمة، مثل وفاة شخص عزيز عليهم، حتى يتمكنوا من البكاء عند الحاجة.
وينطبق الأمر نفسه على أنشطة مثل تدوين الأشياء التي نشعر بالامتنان لها، والتي يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي عميق في حالتنا النفسية ورفاهيتنا.
5. انحياز التأكيد
انحياز التأكيد هو ميلنا إلى البحث عن المعلومات التي تدعم معتقداتنا الموجودة مسبقًا.
بمعنى آخر: نكوّن رأيًا أولًا، ثم نبحث عن الأدلة التي تؤيده، بدلًا من تكوين آرائنا استنادًا إلى الحقائق.
6. انحياز المحافظة
يدفع هذا الانحياز الناس إلى الاعتقاد بأن المعلومات الموجودة مسبقًا لها الأولوية على المعلومات الجديدة.
لذلك لا تتسرع في رفض شيء ما لمجرد أنه جذري أو مختلف. فالأفكار العظيمة عادةً ما تكون كذلك.
7. تأثير النعامة
سُمّي هذا التأثير على نحو مناسب نسبة إلى الاعتقاد الشائع بأن النعام، عندما يشعر بالخوف، يدفن رأسه في الأرض.
ويصف هذا التأثير ميلنا إلى الاختباء من المشكلات التي تلوح في الأفق. قد لا ندفن رؤوسنا في الأرض حرفيًا، لكننا نتصرف في بعض الأحيان كما لو أننا نفعل ذلك.
على سبيل المثال: إذا كانت شركتك تشهد عمليات تسريح للموظفين، أو كنت تواجه مشكلات في علاقتك، أو تلقيت تقييمًا سلبيًا، فمن الشائع أن تحاول دفع كل هذه المشكلات بعيدًا بدلًا من مواجهتها مباشرة.
لكن هذا الأسلوب لا يجدي، بل يؤجل ما لا مفر منه فحسب.
8. الممانعة
الممانعة هي ميلنا إلى الرد على القواعد واللوائح بممارسة حريتنا.
ومن الأمثلة الشائعة على ذلك الأطفال الذين لديهم آباء متسلطون. أخبر مراهقًا أن يفعل شيئًا لمجرد أنك أمرته بذلك، ومن المرجح جدًا أن يبدأ في خرق قواعدك.
وينطبق الأمر نفسه على الموظفين الذين يشعرون بأن أصحاب العمل يعاملونهم بصورة غير عادلة أو يراقبونهم بشكل مبالغ فيه. فقد يصبحون أكثر ميلًا إلى إطالة فترات الاستراحة، أو الحصول على أيام مرضية إضافية، أو حتى سرقة أشياء من الشركة.
9. تأثير الهالة
يحدث تأثير الهالة عندما يترك شخص ما انطباعًا أوليًا قويًا، ثم يستمر هذا الانطباع في التأثير في أحكامنا عليه.
ويظهر ذلك بوضوح شديد في عملية تقييم الدرجات. فعلى سبيل المثال: قد يصحح المعلم ورقة الطالب الأولى ويجدها جيدة، فيميل بعد ذلك إلى منحه درجات مرتفعة في أوراقه اللاحقة، حتى إذا لم يكن مستوى أدائه يستحق تلك الدرجات.
ويحدث الأمر نفسه في أماكن العمل وبالعلاقات الشخصية.
10. تأثير القرون
هذا التأثير هو النقيض تمامًا لتأثير الهالة. فعندما يكون أداؤك سيئًا في البداية، قد يتم تصنيفك بسهولة على أنك شخص ضعيف الأداء.
وذلك حتى لو بذلت جهدًا كافيًا لاحقًا لإثبات خطأ هذا الانطباع.
11. مغالطة التخطيط
مغالطة التخطيط هي ميلنا إلى الاعتقاد بأننا نستطيع إنجاز الأشياء في وقت أقصر مما تحتاجه بالفعل.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يميلون إلى المماطلة، يؤدي ذلك إلى أعمال غير مكتملة.
أما أصحاب الشخصيات التي تميل إلى الإنجاز السريع والمكثف، فربما يدفعهم ذلك إلى تقديم وعود أكبر مما يستطيعون الوفاء به، ثم تقديم نتائج أقل مما وعدوا به.
12. تأثير القطيع
تأثير القطيع هو ميلنا إلى فعل ما يفعله الآخرون.
وهذا يولّد نوعًا من التفكير الجماعي. حيث يتمسك الناس بأول فكرة تُطرح على الطاولة بدلًا من استكشاف مجموعة متنوعة من الخيارات.
ويوضح تأثير القطيع مدى ميلنا إلى اتخاذ القرارات بناءً على ما نشعر أنه مريح أو مقبول، مثل فعل ما يفعله الجميع، حتى عندما تكون هناك بدائل أفضل.
13. النقطة العمياء تجاه الانحياز
إذا بدأت تشعر بأنك تمكنت من السيطرة على انحيازاتك، فتذكر أنك على الأرجح تعاني في هذه اللحظة من «النقطة العمياء تجاه الانحياز».
وهي ميلنا إلى رؤية الانحيازات لدى الآخرين، دون أن نراها في أنفسنا.


