تجسد ليزا سو، مسيرة صعود ملهمة، بدأت بفضول طفلة تفكك الأجهزة الإلكترونية، وصولًا إلى قمة عالم التكنولوجيا؛ حيث لم تكن مجرد مهندسة بارعة، بل أصبحت قائدة استثنائية أحدثت ثورة حقيقية في صناعة أشباه الموصلات.
وتثبت رحلتها التي تجمع بين التفوق العلمي والقيادة الإدارية الحكيمة، أن الشغف والمثابرة قادران على تحويل أي شركة، وتغيير موازين قوى الصناعة بأكملها.
علاوة على ذلك، استطاعت “سو” أن تحول شركة AMD على يديها من مجرد منافس يواجه الصعاب إلى عملاق تجاوز منافسه التاريخي، شركة إنتل، بالقيمة السوقية.
وهو إنجاز غير مسبوق في هذه الصناعة شديدة التنافسية، ويعكس رؤيتها الإستراتيجية الفذة وقدرتها على تحقيق النمو والابتكار.
الحياة المبكرة والتعليم
ولدت ليزا سو في نوفمبر 1969 بمدينة تاينان، تايوان، وهاجرت مع والديها إلى الولايات المتحدة، وهي في الثالثة من عمرها؛ حيث استقرت العائلة في حي كوينز بمدينة نيويورك.
ونشأت سو في بيئة عائلية تشجع على التميز الأكاديمي، فعمل والدها كإحصائي. بينما كانت والدتها محاسبة ثم أصبحت لاحقًا رائدة أعمال.

وفي خضم المسيرة التعليمية، شُجعت سو وأخوها منذ الصغر على دراسة الرياضيات والعلوم. وكانت والدها يختبرها في جداول الضرب، وهي في السابعة من عمرها. بينما كانت والدتها تعرفها على مفاهيم الأعمال الأساسية. ما زرع فيها بذور شغفها بالعلم والأعمال منذ سن مبكرة.
كذلك، أظهرت “سو” اهتمامًا مبكرًا بالهندسة، وكانت لديها رغبة ملحة في معرفة “كيف تعمل الأشياء”.
فعندما كانت في العاشرة من عمرها، بدأت تفكك سيارات التحكم “عن بعد” الخاصة بأخيها، ثم تصلحها بنفسها. وامتلكت أول جهاز كمبيوتر لها (Apple II) خلال المرحلة الإعدادية.
دراستها الجامعية
التحقت “سو” بمدرسة برونكس للعلوم في نيويورك وتخرجت منها عام 1986. ثم بدأت دراستها الجامعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عام 1986.
وكانت مترددة في البداية بين الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب. لكنها استقرت على الهندسة الكهربائية؛ لأنها بدت التخصص الأكثر تحديًا.
وخلال عامها الأول في الجامعة، عملت “سو” كمساعدة بحثية لطلاب الدراسات العليا في تصنيع رقائق السيليكون. وهو ما عزز من اهتمامها بأشباه الموصلات، وحصلت على درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية، ثم الماجستير عام 1991.
وأكملت الدكتوراه في 1994، وكان عنوان أطروحتها: الترانزستورات فائقة الصغر القائمة على السيليكون المعزول (SOI MOSFETs). وهو ما يؤكد عمق خبرتها في مجال أشباه الموصلات.
المسيرة المهنية
بعد حصولها على شهادة الدكتوراه، بدأت “سو” عملها في تكساس إنسترومنتس. ثم انتقلت إلى شركة IBM؛ حيث ساهمت في تطوير تقنية استخدام النحاس بدلًا من الألومنيوم في توصيلات الرقائق. ما أدى إلى تحسين الأداء بنسبة 20%، وهو إنجاز كان له تأثير كبير في الصناعة.
وفي الفترة ما بين عامي 2000 و2007، أسست “سو” قسم المنتجات الناشئة في IBM، وقادت فريقًا طور المعالج الشهير Cell. والذي تم استخدامه في جهاز سوني بلاي ستيشن 3. ما يظهر قدرتها على قيادة فرق العمل وتحقيق إنجازات كبيرة في تطوير المنتجات.
وبعد ذلك، عملت “سو” في شركة فريسكيل لأشباه الموصلات كمديرة تقنية أولى، ثم نائبة أولى للرئيس. وساهمت في إعادة هيكلة الشركة وإعدادها للطرح العام الأولي.
وفي عام 2012، انضمت “سو” إلى شركة AMD كنائبة أولى للرئيس ومديرة عامة للوحدات التجارية العالمية. وساعدت على إدخال شرائح AMD في أجهزة Xbox One و PS4. ما كان له دور كبير في تعزيز مكانة الشركة بسوق الألعاب.
وفي أكتوبر 2014، تم تعيينها رئيسة ومديرة تنفيذية لشركة AMD، وقادت إستراتيجيات طموحة لتنويع منتجات الشركة نحو مجالات حيوية. مثل: الألعاب، ومراكز البيانات، والحوسبة عالية الأداء.
كما قادت في عام 2022 عملية استحواذ AMD على شركة Xilinx بقيمة 49 مليار دولار، وهو ما عزز مكانة الشركة عالميًا.
الإنجازات والتكريم
من ناحية أخرى، حصلت “سو” على العديد من الجوائز والأوسمة المرموقة خلال مسيرتها المهنية. ففي عام 2014، حصلت على جائزة مديرة العام من EE Times. وفي 2017، تم اعتبارها من بين أعظم قادة العالم من قبل مجلة Fortune.
كما أصبحت “سو” أول امرأة تمنح لقب “الرئيس التنفيذي للعام” من مجلة Time عام 2014، وتكرر هذا التكريم مرة أخرى في 2024.
وفي عام 2021، أصبحت أول امرأة تحصل على ميدالية IEEE روبرت نويس، وهو أعلى وسام تقدمه المؤسسة.

وخلال فترة إدارتها لشركة AMD، ارتفعت القيمة السوقية للشركة من نحو 3 مليارات دولار إلى أكثر من 200 مليار دولار.
وتجاوزت بذلك “إنتل” للمرة الأولى من حيث القيمة السوقية، وهو إنجاز تاريخي يؤكد على نجاح رؤيتها الإستراتيجية.
اختيرت عام 2024، زميلة في معهد بحوث التكنولوجيا الصناعية (ITRI). وتم إدراج اسمها بقائمة Time لأكثر 100 شخصية مؤثرة في الذكاء الاصطناعي عام 2024.


