يُعد عثمان بنجلون قامة اقتصادية بارزة، وأحد أعمدة القطاع المالي في المغرب؛ إذ يتبوأ رئاسة المجموعة الاقتصادية العملاقة “فينانس كوم”، التي تهيمن على ربع سوق التأمين المغربية من خلال ذراعها الموحدة “الملكية الوطنية للتأمين”، والناتجة عن اندماج “الشركة الوطنية للتأمين” و”الشركة الملكية للتأمين”.
كما يضطلع بدور محوري في القطاع المصرفي، بصفته المدير النافذ للبنك المغربي للتجارة الخارجية. الذي يستحوذ على نحو 16% من حجم النشاط المصرفي في البلاد.
وعلى صعيد القيادة المؤسسية يترأس “بنجلون”، منذ عام 1995م، المجموعة المهنية لبنوك المغرب؛ ما يعكس ثقة القطاع المصرفي في خبرته ورؤيته الإستراتيجية. فيما حظي بتقدير دولي رفيع المستوى؛ حيث نال في مايو من عام 2013 لقب “الإداري الفخري” من مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية بواشنطن. وهو تكريم يجسد تأثيره وإسهاماته الملحوظة في عالم المال والأعمال على الصعيدين الوطني والدولي.
الحياة المبكرة وطريقه المهني
وُلد عثمان بنجلون في 1 نوفمبر عام 1932م، ليشق طريقه في عالم الأعمال مبكرًا بالتعاون مع شقيقه عمر. وانطلقت مسيرتهما التجارية عن طريق وكالة حصرية لشركة فولفو السويدية في المغرب. لتتوسع آفاقهما الطموحة وتثمر تأسيس مجموعة صناعية كبرى ومتعددة الأنشطة. وضعت بصمات واضحة في مختلف القطاعات الاقتصادية بالمملكة.
وفي إشارة إلى النجاح الباهر الذي حققه بمسيرته الريادية تصدر اسم عثمان بنجلون قائمة أثرياء المغرب؛ فحل في المرتبة الثانية ضمن أغنى رجال البلاد، وذلك خلال عام 2019. وعلى الصعيد القاري تبوأ مكانة مرموقة ضمن قائمة مجلة “فوربس لأثرياء إفريقيا”. محتلًا المركز 15 بثروة تجاوزت حاجز 1.3 مليار دولار. ما يعكس حجم نفوذه المالي وتأثيره الاقتصادي الواسع.

الخطوات الأولى لبناء إمبراطورية مالية
بدأ “بنجلون” عام 1989م فصلًا حاسمًا في مسيرته المهنية الطموحة؛ حيث شرع في رحلة استهدفت تأسيس مجموعته المالية الخاصة. وذلك ببدء شراء حصص الورثة في الشركة الملكية للتأمين. وعلى الرغم من أن هذه الشركة لم تكن حينها كيانًا ضخمًا من حيث الحجم. إلا أنها كانت تحمل في طياتها رمزية وأهمية تاريخية عميقة بالنسبة للقطاع المالي المغربي.
فتأسيس الشركة الملكية للتأمين يعود بجذوره إلى مرحلة النضال الوطني من أجل استقلال المغرب في عام 1949م. وأسستها نخبة من المنتمين إلى الحركة الوطنية، الذين كانت تحدوهم آمال عريضة في وضع اللبنات الأولى لاقتصاد مغربي مستقل.
علاوة على ذلك شكّل إطلاق اسم “الملكية” على الشركة في تلك الحقبة تحديًا واضحًا للسلطات الاستعمارية. وذلك تقديرًا للدور المحوري الذي أداه الملك محمد الخامس في قيادة معركة التحرير الوطني.
إدارة رشيدة وتحصين مالي
في حين عندما تسلم عثمان بنجلون مقاليد إدارة الشركة الملكية للتأمين تبنى نهجًا إداريًا يرتكز على الالتزام الصارم بالضوابط والمعايير الدولية المعمول بها في قطاع التأمين. وجنّب هذا المنهج الحكيم الشركة الوقوع في براثن حرب الأسعار والصراع المحموم على حصص السوق. الذي عصف بقطاع التأمينات المغربي خلال فترة التسعينيات وأدى إلى إفلاس خمس شركات تأمين كبرى.
ورغم أن الشركة الملكية للتأمين حافظت على حجمها الصغير نسبيًا. إلا أنها اكتسبت، بفضل سياستها المالية الرشيدة، قاعدة مالية صلبة ومتينة. ففي منتصف التسعينيات قُدر هامش سيولتها بنحو 3000%. وهو ما مكنها من التقدم بعرض قوي وغير قابل للمنافسة عندما طرحت الدولة حصصها في مصرف البنك المغربي للتجارة الخارجية للبيع.
تحولات وانتقادات
بينما أثار فوز ‘بنجلون” بصفقة تخصيص البنك المغربي للتجارة الخارجية في عام 1995م موجة من الانتقادات الواسعة داخل المغرب وخارجه. وعبّر خبراء من مؤسسات مالية دولية عن تخوفهم من المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن سيطرة رأس المال الصناعي على رأس المال المصرفي.
من ناحية أخرى شرع “بنجلون” في مسيرة طموحة لتحويل البنك المغربي للتجارة الخارجية من مؤسسة مالية عمومية متخصصة في تمويل التجارة الخارجية إلى مصرف حديث ومتكامل الأنشطة، يضم مختلف المهن البنكية وشبه البنكية.
ولتمويل هذه الرؤية التوسعي لجأ في عام 1996م إلى عملية مالية غير مسبوقة في تاريخ المغرب؛ حيث كانت مؤسسته أول شركة مغربية خاصة تصدر سندات إيداع دولية (GDR) مسعرة في بورصة لندن. بهدف تمويل الزيادة في رأسمال البنك بقيمة 60 مليون دولار.
توسيع الإمبراطورية التأمينية
ومع نهاية عام 1999م تعززت المجموعة المالية لعثمان بنجلون بضم شركتين جديدتين في قطاع التأمين؛ حيث تقدم بعرض لا يضاهى لشراء الشركة الوطنية للتأمين وشركة الرابطة الإفريقية للتأمين. اللتين كانتا مملوكتين لـ “مجموعة التأمين الوطنية” الفرنسية. وكما في الصفقة السابقة تم تمويل هذا الاستحواذ من خلال اقتراض دولي بقيمة 160 مليون يورو. شاركت في تمويله 25 مؤسسة مصرفية أوروبية ودولية.
كذلك في المجال الصناعي شكل “بنجلون” تحالفًا إستراتيجيًا مع شركات عالمية ومحلية للفوز بالرخصة الثانية للهاتف النقال في المغرب. ما درّ على خزينة الدولة نحو مليار دولار.
وفي سياق آخر يؤدي بنجلون دورًا بارزًا في دعم الشركات المغربية المتعثرة. كما يضطلع بأدوار استشارية على الصعيدين التجاري والإستراتيجي. ويولي اهتمامًا خاصًا بالمسؤولية الاجتماعية من خلال مؤسسته التي تعني بمحاربة الأمية والحفاظ على البيئة.

مسيرة حافلة بالإنجازات
إذًا يتجلى لنا من خلال مسيرة عثمان بنجلون الحافلة بالإنجازات. كيف يمكن لرؤية ثاقبة وإدارة رشيدة أن ترسخ أقدام قامة اقتصادية وطنية. تاركة بصمات واضحة المعالم في قطاعات حيوية كالمال والتأمين.
بينما استطاع “بنجلون”، بحنكته الاقتصادية ونظرته الاستشرافية. أن يبني صرحًا ماليًا شامخًا يخدم الاقتصاد الوطني ويساهم في تعزيز مكانة المغرب على الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية. مؤكدًا بذلك الدور المحوري الذي يمكن أن يؤديه القطاع الخاص الوطني في مسيرة التنمية الشاملة.


