من صالات المحاضرات في هارفارد إلى قاعات مجالس الإدارة التي يسيطر عليها الرجال شقت شيريل ساندبرج طريقها لتصبح القوة الدافعة وراء واحدة من كبرى شركات التكنولوجيا في العالم. هذه ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل شهادة حية على أن الرؤية الثاقبة والعزيمة المتوقدة يمكن أن تشيدا إمبراطوريات عظمى من نقطة الصفر، وتلهم بذلك أجيالًا قادمة من الطموحين.
تعد شيريل ساندبرج -رائدة الأعمال الأمريكية الفذة- شخصية محورية في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال؛ حيث تسلمت في أغسطس 2013 منصب كبيرة مسؤولي التشغيل بشركة فيسبوك. لتصبح العقل المدبر وراء إستراتيجيات نموها وتوسعها.
علاوة على ذلك في يونيو 2012 حازت شيريل ثقة مجلس إدارة فيسبوك؛ لتنتخب كأول امرأة تنضم إلى هذا المجلس المرموق. في خطوة تاريخية عكست مدى تأثيرها وقدراتها القيادية.
الحياة المبكرة والتعليم
ولدت شيريل ساندبرج يوم 28 أغسطس 1969، في واشنطن العاصمة لعائلة يهودية. وهي الابنة الكبرى بين ثلاث فتيات لأديل وجويل. والدها طبيب عيون. كما كانت والدتها، التي نالت درجة الدكتوراه، تعمل مدرسة لغة فرنسية قبل أن تتفرغ للاهتمام بأطفالها. ما وفر لشيريل بيئة تدعم التعلم والنمو.

انتقلت عائلتها إلى الشاطئ الشمالي من ميامي، بفلوريدا عندما كانت في ربيعها الثاني. وهناك التحقت شيريل بمدرسة حكومية. وتميزت دائمًا بكونها من الأوائل في صفها الدراسي، ما عكس ذكاءها المبكر وتفانيها في التعليم.
كما أظهرت شيريل ساندبرج نشاطًا ملحوظًا حتى وهي لا تزال في المدرسة الثانوية؛ حيث تعلمت الأيروبيكس في الثمانينيات. ما يبرز شخصيتها الديناميكية والملتزمة.
مسيرة هارفارد وتأثير “سامرز”
في عام 1987 التحقت شيريل بجامعة هارفارد، وتخرجت في عام 1991م بدرجة في علم الاقتصاد؛ حيث كُرمت بجائزة “جون ويليامز” المرموقة التي تمنح لأوائل الطلاب المتخرجين في علم الاقتصاد. ما يؤكد تفوقها الأكاديمي.
من ناحية أخرى، وخلال فترة دراستها في هارفارد، التقت البروفيسور لاري سامر؛ الذي قدم لها النصح والإرشاد. وساعدها بشكل كبير على إعداد أطروحة المستشار الخاصة بها.
بالإضافة إلى ذلك عينها “سامرز” لتكون مساعدة له في بحوث البنك الدولي؛ حيث عملت على مشاريع صحية حيوية في الهند، وتناولت قضايا مثل: الجذام والإيدز والعمى، وهذا منحها خبرة عملية مبكرة في قضايا التنمية العالمية.
وفي عام 1993م التحقت بكلية هارفارد للأعمال. وحصلت في عام 1995م على درجة الماجستير في إدارة الأعمال بأعلى مرتبة شرف. ما مهد لها الطريق لمسيرة مهنية باهرة.
المهنة في مرحلة مبكرة
على صعيد مسيرتها المهنية المبكرة عملت شيريل ساندبرج، بعد تخرجها في كلية إدارة الأعمال، مستشارة بشركة “ميكنزي” لمدة عام، من 1995 إلى 1996؛ حيث اكتسبت خبرة قيّمة في استشارات الإدارة. وفي المقابل عملت رئيسة لأركان الأمين العام لوزارة الخزانة الأمريكية لورانس سامرز خلال فترة إدارة كلينتون، من عام 1996 حتى عام 2001.
وفي السياق ذاته ساهمت بفاعلية في قيادة عمل وزارة الخزانة على قضايا الديون والتسامح في العالم النامي خلال الأزمة المالية الآسيوية. ما أظهر قدراتها القيادية والإدارية في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية الكبرى.
وإلى جانب خبرتها في القطاع الحكومي والاستشاري انضمت شيريل ساندبرج إلى شركة جوجل عام 2001. وشغلت منصب نائب الرئيس لقسم المبيعات والعمليات العالمية عبر الإنترنت خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2001 وحتى مارس 2008.
وفي هذا الدور المحوري كانت مسؤولة عن الإشراف على المبيعات عبر الإنترنت للمنتجات المعلن عنها والمنشورة في “جوجل”، بالإضافة إلى عمليات المبيعات لمنتجات “جوجل” الاستهلاكية وخدمة جوجل للبحث عن الكتب.
من وادي السيليكون إلى “فيسبوك”
في أواخر عام 2007 التقى مارك زوكربيرج؛ المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة “ميتا”، شيريل في حفل عيد الميلاد الذي نظمه دان روسينويغ.
في ذلك الوقت كانت شيريل في طور التفاوض لتصبح أحد كبار المسؤولين التنفيذيين لشركة “واشنطن بوست”. وهو ما يشير إلى مكانتها المرموقة. ورغم أن “زوكربيرج” لم يكن لديه بحث رسمي عن كبير مسؤولي التشغيل (COO)، إلا أنه أدرك أنها مناسبة بشكلٍ مثالي لهذا الدور؛ بفضل خبراتها الواسعة ومهاراتها القيادية.
وفي هذا الإطار أمضيا المزيد من الوقت معًا في يناير 2008 بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا؛ حيث تعمقت المحادثات بينهما حول رؤية فيسبوك ومستقبلها.
وبحلول مارس 2008 أعلن فيسبوك رسميًا توظيف شيريل ساندبرج. معلنًا عن انضمامها بعيدًا عن “جوجل” في خطوة أحدثت صدىً كبيرًا في عالم التكنولوجيا.
تحويل “فيسبوك” إلى كيان مربح
بعد انضمامها إلى فيسبوك سرعان ما بدأت شيريل في تحليل كيفية جعل الشركة مربحة. فقبل انضمامها كانت “فيسبوك” مهتمة في المقام الأول ببناء موقع رائع حقًا. ولكن يفترض أن تحذو نحو الأرباح دون خطة واضحة. ما يشير إلى وجود فجوة إستراتيجية في التوجه التجاري.
علاوة على ذلك بحلول أواخر الربيع وافقت إدارة فيسبوك على الاعتماد بشكلٍ كبيرٍ على الإعلانات. ولكن “مع الإعلانات المقدمة بحكمة”؛ بهدف تحقيق التوازن بين تجربة المستخدم وتحقيق الإيرادات. وبفضل قيادتها أصبح “فيسبوك” مربحًا بحلول عام 2010؛ ما يعد إنجازًا ماليًا هائلًا في وقت قياسي.
الإشراف على العمليات
من ناحية أخرى، وفقًا لفيسبوك، تشرف شيريل على العمليات التجارية الشاملة للشركة. بما في ذلك: المبيعات والتسويق وتطوير الأعمال. بالإضافة إلى الموارد البشرية، والسياسة العامة، والاتصالات. هذا النطاق الواسع من المسؤوليات يبرز دورها المحوري في توجيه دفة فيسبوك نحو النمو والتوسع.
وبالإضافة إلى ذلك كان تعويضها التنفيذي للسنة المالية 2011 حوالي 300,000 دولار كراتب أساسي. بالإضافة إلى 30,491,613 دولارًا في مشاركات فيسبوك.
ووفقًا للاستمارة الثالثة كانت تمتلك 38,122,000 من الأسهم الاختيارية ووحدات الأسهم المحجوزة. التي قدرت قيمتها تقريبًا بـ 1.45 مليار دولار اعتبارًا من منتصف مايو 2012، وذلك رهنًا باستمرار عملها حتى تاريخ الاستحقاق.
أول امرأة في مجلس إدارة “فيسبوك”
على صعيد الإنجازات التاريخية، وفي عام 2012، أصبحت شيريل ساندبرج العضو الثامن وأول عضو أنثى في مجلس إدارة فيسبوك. هذا الحدث لم يكن مجرد تعيين روتيني، بل كان علامة فارقة في تمكين المرأة بمجالس إدارة الشركات التكنولوجية الكبرى. كما فتح الباب أمام مزيد من التنوع في القيادة.
وفي المقابل لم تتوقف إسهاماتها عند حدود فيسبوك. فمن خلال دورها القيادي ألهمت شيريل ساندبرج ملايين النساء حول العالم لتحقيق طموحاتهن المهنية. لا سيما في قطاعات تسيطر عليها الذكور. ما جعلها نموذجًا يحتذى به في القيادة النسائية.
قيادة التغيير نحو التنوع والشمول
في السياق ذاته لم تكتفِ شيريل بكسر الحواجز لنفسها، لكنها كرست جهودها لتعزيز التنوع والشمول في أماكن العمل. فمن خلال مبادراتها وكتاباتها سعت جاهدة لتمكين النساء وتشجيعهّن على “الاستناد إلى الأمام”. وهو عنوان كتابها الأكثر مبيعًا، الذي أصبح دعوة عالمية للقيادة النسائية.
كذلك قدمت رؤى قيّمة حول التحديات التي تواجه النساء في المناصب القيادية، وكيفية التغلب عليها. ما أحدث حراكًا واسعًا في النقاش حول المساواة بين الجنسين في عالم الأعمال. كما ألهم الكثيرين للمطالبة بتغييرات حقيقية وهيكلية.

إرث دائم في عالم التكنولوجيا
في إطار الإرث الذي تتركه تعد شيريل ساندبرج شخصية محورية لا في فيسبوك فحسب. بل بالمشهد التكنولوجي العالمي بأسره. إذ أثبتت أن القيادة الفعالة لا تقتصر على جنس أو خلفية معينة. وأن الشغف والرؤية يمكن أن يحولا أي مؤسسة.
في النهاية سيبقى اسمها مرتبطًا بتحول فيسبوك من مجرد منصة اجتماعية إلى إمبراطورية إعلانية مربحة. وبفتح الأبواب أمام تمثيل أكبر للمرأة في أعلى مستويات اتخاذ القرار في عالم الشركات. فإرثها يمثل شهادة على قوة الفرد في إحداث تغيير إيجابي وترك بصمة لا تمحى بمجالات متعددة.


