أشاد صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير الصادر منذ أيام، حول نتائج مشاورات المادة الرابعة بشأن اقتصاد السعودية، بقدرة اقتصاد المملكة على مواجهة التحديات والصدمات الخارجية، كما ثمن متانة واستقرار نظامه المالي. إلى جانب نجاح الجهود المبذولة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز المرونة الاقتصادية.
وأوضح التقرير أن المملكة، بفضل الإصلاحات العميقة التي أطلقتها ضمن رؤية 2030. تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفاتها التنموية، مع ترحيب رسمي من وزارة المالية التي أكدت التزامها باستمرار تنفيذ السياسات التي تعزز الاستدامة والنمو.
كما توقع الصندوق نمو الاقتصاد السعودي، بنسبة 3.6% في عام 2025 و3.9% عام 2026. مدفوعًا بمزيج من الأداء القوي للقطاعات غير النفطية والمشاريع الكبرى، إضافةً إلى الإدارة المتوازنة للسياسات المالية والنقدية.
تقديرات صندوق النقد الدولي حول الاقتصاد السعودي
في ظل هذه المؤشرات الإيجابية والتوقعات الطموحة للاقتصاد السعودي، التقت مجلة “رواد الأعمال” الدكتور عبد العزيز بن حسين المزيد؛ الأستاذ الجامعي والمحلل المالي والمدرب المعتمد. وأحد أبرز المتخصصين في الشأن الاقتصادي.
دار الحوار حول قراءته العميقة لتقرير صندوق النقد الدولي، ورؤيته لآفاق النمو في المملكة، وأبرز محركات التنويع الاقتصادي. إلى جانب التحديات التي قد تواجه المسار الاقتصادي في السنوات المقبلة.
كما ناقشنا معه أثر السياسات المالية والمشاريع الكبرى على تحقيق مستهدفات رؤية 2030. ودورها في ترسيخ مكانة المملكة كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية.

صندوق النقد الدولي يتوقع نموًا للاقتصاد السعودي بنسبة 3.6% عام 2025 و3.9% في 2026. ما العوامل الرئيسة التي يعتقد صندوق النقد الدولي أنها ستدفع هذا النمو، وما التحديات التي قد تواجهه؟
صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3.6% عام 2025 و3.9% في 2026. ويعزو هذا النمو إلى ثلاثة عوامل رئيسة:
- زيادة إمدادات النفط بعد قرار تحالف “أوبك+” بإلغاء التخفيضات الطوعية في الإنتاج. وهذا يرفع إنتاج المملكة النفطية وعائداتها.
- ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ ما يدعم عائدات الصادرات النفطية للمملكة.
- نمو قوي في الأنشطة غير النفطية، خصوصًا في ضوء جهود رؤية 2030، التي تشمل تنويع الاقتصاد من خلال استثمارات في قطاعات. مثل: البناء، والتقنية، والسياحة، والخدمات المالية. وهذا يرفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد.
الإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية الكبرى
بالإضافة إلى ذلك الطلب المحلي القوي والإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية الكبرى يشكل داعمًا مهمًا للنمو العام.
أما التحديات التي يمكن تواجه هذا النمو، فتتضمن:
- التقلبات في أسعار النفط العالمية، والتي قد تؤثر في العوائد النفطية.
- عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، الذي يمكن أن يؤثر في بيئة الاستثمار والنمو.
- ضرورة مواصلة الإصلاحات الهيكلية لدعم النمو المستدام في القطاعات غير النفطية.
- الحاجة للحفاظ على استقرار السياسات النقدية والمالية، ودعم الاستثمارات الأجنبية المباشرة والقطاع الخاص لتعزيز هذا النمو وتحقيق أهداف رؤية 2030 بشكل مستدام.
باختصار نجد أن النمو المتوقع للاقتصاد السعودي مدفوع بتوازن بين زيادة إنتاج النفط وارتفاع أسعاره. بجانب التحول الاقتصادي الوطني نحو المزيد من التنويع بقيادة القطاعات غير النفطية. مع ضرورة الحذر من التحديات الخارجية وحتمية استمرار الإصلاحات لتحقيق الاستدامة الاقتصادية.
نجاح جهود التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030
هل تستند هذه التوقعات إلى ارتفاع أسعار النفط، أم تعكس نجاح جهود التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030؟ وما القطاعات غير النفطية التي يتوقع أن تكون المحرك الرئيس للنمو في 2025 و2026؟
التوقعات لا تستند فقط إلى النفط، لكن تعكس أيضًا نجاح جهود التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030. وخاصة نمو القطاعات غير النفطية التي يتوقع أن تستمر كمحرك رئيس للنمو.
الناتج المحلي غير النفطي من المتوقع أن ينمو بنسبة 3.4% عام 2025، و3.5% في 2026. مدفوعًا بقطاعات، مثل: تجارة التجزئة، والضيافة، والبناء، وغيرها من القطاعات الجديدة والمتنوعة.
أما القطاعات غير النفطية التي يتوقع أن تكون المحرك الرئيس للنمو في 2025 و2026، فتركز على مجالات متنوعة، مثل: البناء والعقارات. والخدمات المالية، والسياحة والترفيه. والقطاعات التقنية والتكنولوجيا الحديثة، والخدمات اللوجستية، والتجارة والتجزئة.
هذه القطاعات ستستفيد من الدعم بواسطة استثمارات ضخمة ضمن مشاريع رؤية 2030. وهذا سوف يسهم في تنويع الاقتصاد السعودي بعيدًا عن النفط. ويعزز الطلب المحلي ويدعم القطاع الخاص كقوة دافعة للنمو الاقتصادي.
بالتالي النمو المتوقع هو نتيجة توازن بين دعم قطاع النفط من جهة. وتصاعد وتكامل القطاعات غير النفطية من جهة أخرى، وهذا سوف يعكس تحولًا اقتصاديًا شاملًا تستهدفه رؤية 2030؛ لتحقيق اقتصاد متنوع ومستدام.
المشاريع الكبرى في المملكة
كيف يمكن للسياسات المالية للمملكة (مثل الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى) والسياسات النقدية (مثل أسعار الفائدة) أن تؤثر في تحقيق هذه التوقعات؟ وهل هناك سياسات معينة يجب على المملكة اتخاذها لضمان تحقيق أو تجاوز هذه الأرقام؟
تأثير السياسات المالية والنقدية، يتمثل في:
• السياسات المالية، مثل الإنفاق الحكومي على المشاريع الكبرى ورؤية 2030. تلعب دورا مهمًا في تحفيز الطلب المحلي ودعم البنية التحتية والتنويع الاقتصادي.
• السياسات النقدية مثل أسعار الفائدة تؤثر في تكلفة التمويل والاستثمار الخاص. لذا؛ يجب الحفاظ على استقرار سعر الفائدة لدعم النمو دون تضخم مفرط.
وتواصل المملكة الإصلاحات الهيكلية لدعم التمويل الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر وضمان استقرار بيئة الأعمال لتعزيز النمو.
وبالتالي نجد أن السياسات المالية تؤدي دورًا حاسمًا. فالميزانية المعتمدة لعام 2025. تركز على إنفاق استثماري يقدر بحوالي 1,285 مليار ريال، بهدف بناء البنية التحتية وتعزيز القطاعات الحيوية.
وهذا من شأنه أن يحفز القطاع الخاص ويزيد قدرة الاقتصاد غير النفطي. أما السياسة النقدية فمن المتوقع أن يخفض البنك المركزي تدريجيًا أسعار الفائدة خلال 2025 و2026.
وهذا سيخفض تكلفة الاقتراض ويحفز الاستثمار الخاص. على الجانب الآخر. الحفاظ على استقرار الأسعار والتضخم يبقى هدفًا رئيسًا؛ لضمان بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.
نمو الاقتصاد السعودي
هل تعكس هذه التوقعات الإيجابية لنمو الاقتصاد السعودي ارتفاعًا في جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي المباشر؟ وما القطاعات التي تتوقع أن تستقطب أكبر قدر من الاستثمارات الخارجية خلال الفترة القادمة؟
علاوة على ذلك، التوقعات الإيجابية لنمو الاقتصاد السعودي تعكس بالفعل ارتفاعًا ملحوظًا في جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي المباشر. فيما سجلت السعودية خلال الربع الأول من عام 2025 تدفقات استثمار أجنبي مباشر بلغت حوالي 24 مليار ريال (حوالي 6.4 مليار دولار) بزيادة سنوية تبلغ 24%. مع صافي تدفقات إيجابي بقيمة 22.2 مليار ريال. بسبب انخفاض تدفقات الخروج.
وهذا يعكس استقرار وثقة المستثمرين الأجانب في السوق السعودية. التي تهدف إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 100 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030 ضمن رؤية 2030. في حين، يعزز ذلك تحديث نظام الاستثمار المقرر منذ مطلع 2025، الذي يسهل دخول رؤوس الأموال الأجنبية ويمنح المستثمرين الأجانب حقوق تملك كاملة في معظم القطاعات. ما يعزز بدوره تنافسية البيئة الاستثمارية.
من وجهة نظري أن التوقعات الإيجابية التي تصدر عن مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي، تعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد السعودي. وهذا بطبيعة الحال يرفع من جاذبية المملكة أمام المستثمرين الأجانب.
بالفعل السعودية تسجل زيادات ملحوظة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. وهذا يعكس ثقة المستثمرين في استقرار الاقتصاد واستدامة النمو.

السعودية بيئة استثمارية جاذبة للمستثمرين الأجانب
أما بخصوص القطاعات فهناك تركيز واضح على القطاعات غير النفطية التي تشهد دعمًا كبيرًا من الحكومة في إطار رؤية 2030. بداية بالسياحة والترفيه. حيث تخلق المشاريع الضخمة فرصًا واعدة. كذلك الطاقة المتجددة تحظى باهتمام عالمي كبير، والمملكة تسعى للريادة في هذا المجال. لا ننسى الخدمات المالية والتقنية؛ حيث يشهد القطاع المالي تحولات نوعية تدعم الاقتصاد الرقمي. بالإضافة إلى ذلك، نرى فرصًا متزايدة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية التي تعتبر محركات أساسية للنمو.
إذًا هذا التنوع والتوجه الحكومي المكثف يجعل السعودية بيئة استثمارية جاذبة للمستثمرين الأجانب الباحثين عن فرص استثمارية متنوعة ومستدامة. التطورات التنظيمية التي تهدف لتسهيل دخول رؤوس الأموال الأجنبية وتوفير حماية للمستثمر تلعب دورًا رئيسًا في دعم هذا الزخم.
الاستثمارات الحكومية
كيف يمكن للمشاريع الضخمة والاستثمارات الحكومية في قطاعات مثل السياحة والترفيه والتقنية دعم وتحفيز هذا النمو الاقتصادي المتوقع؟ وهل تتوقع أن يسهم القطاع الخاص بشكل أكبر في هذا النمو بناءً على هذه التوقعات الإيجابية؟
المشاريع الحكومية الضخمة في هذه القطاعات تشكل العمود الفقري لتحقيق النمو الاقتصادي المنشود. نجد في قطاع السياحة والترفيه، مثلًا الاستثمار في مشاريع كنيوم والبحر الأحمر والقدية. وهذا يفتح آفاقًا واسعة لجذب السياح وتنشيط الاقتصاد غير النفطي.
فهذه المشاريع لا تخلق فقط فرص عمل مباشرة، لكن تسهم في تطوير كامل لمنظومة الخدمات والبنية التحتية ويعزز من قيمة الاقتصاد ككل.
أما في مجال التقنية، فإن الاستثمارات الضخمة والتحول الرقمي تساعدان على رفع كفاءة الإنتاج وفتح قطاعات جديدة، مثل: التقنية المالية والذكاء الاصطناعي. وهي قطاعات تعد حاسمة لمواكبة الاقتصاد العالمي الحديث.
وبالنسبة للقطاع الخاص. أعتقد أن الاستثمارات الحكومية تعطي دافعًا قويًا للشركات الخاصة للانخراط في الشراكات وتنفيذ مشاريع ذات قيمة مضافة عالية. مع وجود بيئة استثمارية متطورة ودعم مالي وتنظيمي من الدولة. لذا؛ نتوقع مشاركة أكبر وأكثر فاعلية من القطاع الخاص الذي سيصبح دون شك محركًا رئيسًا للنمو المستقبلي.
بالتالي فإن التنسيق بين الاستثمارات الحكومية الضخمة والقطاع الخاص سيكون مفتاح النجاح لتحقيق نمو اقتصادي مستدام ومتنوع في السعودية خلال السنوات القادمة.
حوار: منار بحيري



