تحت وطأة التحديات المتزايدة التي تواجه الشركات الناشئة والمتوسطة في الحصول على التمويل التقليدي، لا سيما في عالم يتسم بالتحولات السريعة بقطاع المال والأعمال، يبرز نموذج التمويل القائم على الإيرادات (Revenue-Based Financing – RBF) كبديلٍ مرنٍ وجذّاب.
هذا النموذج المبتكر يستقطب الشركات التي تسعى لتجنب مخاطر التخارج أو التخفيف من حدة الإجراءات التقليدية المرهقة.
فالتمويل القائم على الإيرادات لا يعتمد على التقييمات المرتفعة أو الضمانات الصلبة. بل يرتبط مباشرةً بالأداء التشغيلي للشركة. ما يجعله حلّاً متوازنًا بين رأس المال الاستثماري والقروض المصرفية.
التمويل القائم على الإيرادات
مع تزايد حاجة الشركات إلى تمويل سريع وغير متحفظ، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية والخدمات التي تشهد نموًا مطردًا، تشير تقارير البنك الدولي لعام 2023 إلى نمو سوق التمويل البديل بنسبة 35% سنويًا في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث يعد التمويل القائم على الإيرادات أسرع قطاعاته نموًا.
علاوة على ذلك يعكس هذا التحول رغبة المستثمرين في تقاسم المخاطر مع الشركات الواعدة. دون فرض سيطرة على قراراتها الإستراتيجية. وهذا يؤكد أهمية ذلك النموذج الجديد في دعم بيئة ريادة الأعمال.

جوهر النموذج وآلية عمله المبتكرة
يعد فهم جوهر هذا النموذج حجر الزاوية في تقدير قيمته. ويكمن جوهر التمويل القائم على الإيرادات في اتفاقية يتم بموجبها تقديم مبلغ مالي للشركة مقابل نسبة ثابتة من إيراداتها الشهرية. تتراوح عادةً بين 2% و10%. ويستمر هذا السداد حتى يتم سداد المبلغ الأصلي مضافًا إليه عائد محدد مسبقًا. والذي يطلق عليه “مضاعف” يبلغ عادةً من 1.2x إلى 2.5x المبلغ الأصلي.
على سبيل المثال: إذا حصلت شركة على تمويل بقيمة 500,000 دولار بمضاعف 1.5x. فإنها تلتزم بسداد إجمالي 750,000 دولار؛ عبر اقتطاع نسبة من إيراداتها حتى الوصول لهذا السقف. ومن ناحية أخرى تبرز المزايا التميزية لهذا النموذج بشكلٍ واضح. وهو ما يفسر انتشاره المتزايد.
الحفاظ على الملكية والمرونة المالية
في الأساس يقدم التمويل القائم على الإيرادات ميزة جوهرية تتمثل في الحفاظ على الملكية؛ فلا يتطلب التخارج عن حصص ملكية. ما يحمي حقوق المؤسسين ويمكنهم من الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على شركاتهم، وفقًا لتقرير صندوق النقد العربي لعام 2024. هذه الميزة تمثل نقطة جذب رئيسية لرواد الأعمال الطموحين.
وفي المقابل يتمتع ذلك النموذج بمرونة مالية عالية؛ فالمدفوعات تتناسب مع الأداء الشهري للشركة. وتتقلص المدفوعات في الأشهر التي تشهد ضعفًا في الإيرادات، وتزداد في المواسم القوية. ما يخفف الضغط المالي على الشركات ويُمكنها من التكيف مع تقلبات السوق.
سرعة الحصول على التمويل
إلى جانب المرونة تُشكّل السرعة عنصرًا حاسمًا في جذب الشركات نحو التمويل القائم على الإيرادات. فعمليات الموافقة على هذا النوع من التمويل تتم بسرعة قياسية، غالبًا في غضون 48 إلى 72 ساعة. وهو ما يتناقض بشكلٍ حاد مع الإجراءات التي تستغرق شهورًا في التمويل التقليدي. كما توضح منصة “مزون” للإقراض في الإمارات العربية المتحدة.
وعلى صعيد آخر يبرز انعدام الحاجة إلى ضمانات مادية كواحدة من أبرز مزايا هذا النموذج. ولا يتطلب التمويل القائم على الإيرادات رهن أصول أو تقديم ضمانات صلبة. وهو ما يجعله مثاليًا للشركات المعتمدة على الأصول غير الملموسة، مثل: شركات البرمجيات أو الخدمات التي لا تمتلك أصولًا مادية ضخمة لتقديمها كضمانات.
تحديات النموذج واعتبارات أساسية للنمو
رغم مزاياه العديدة يحمل نموذج التمويل القائم على الإيرادات في طياته بعض التحديات والاعتبارات التي يجب على الشركات أخذها في الحسبان. فأولًا: قد يسبب خصم نسبة ثابتة من الإيرادات ضغطًا على التدفق النقدي للشركة. ما يقيّد قدرتها على التوسع السريع أو الاستثمار في مجالات حيوية أخرى في بعض الأحيان.
وفي المقابل قد تكون تكلفة هذا التمويل مرتفعة نسبيًا مقارنة بالقروض المصرفية التقليدية. وفي هذا الجانب تشير تحليلات شركة “بينما” الاستشارية لعام 2025 إلى أن المضاعفات قد تترجم إلى معدلات فائدة سنوية تتراوح بين 15% و30%. وهو ما يستدعي تقييمًا دقيقًا من قبل الشركات.
الملاءمة المحدودة ودراسات حالة محورية
يعد التمويل القائم على الإيرادات ملائمًا بشكلٍ خاص للشركات ذات الإيرادات المتكررة والمستقرة والهوامش الربحية الجيدة. وعلى صعيد آخر لا يناسب هذا النموذج الشركات ذات الهوامش الربحية المنخفضة أو الإيرادات غير المستقرة أو الموسمية بشكلٍ كبير. ما يفرض قيودًا على تطبيقه في جميع القطاعات.
وإلى جانب ذلك تقدم دراسات حالة محورية أمثلة واقعية على نجاح هذا النموذج. منصة “سلة” السعودية. على سبيل المثال، حصلت على تمويل RBF بقيمة مليوني دولار في عام 2023. وتمكنت من سداده خلال 18 شهرًا مع زيادة إيراداتها بنسبة 200%، وكل ذلك دون التخلي عن أي حصة ملكية.
أمثلة إقليمية وتوقعات مستقبلية
في السياق ذاته استطاعت شركة “نون” للتجارة الإلكترونية في مصر أن تستخدم التمويل القائم على الإيرادات لتمويل مخزون موسمي. ما أسهم في رفع حجم مبيعاتها بنسبة 70% خلال ربع واحد فقط. وتبرهن هذه الأمثلة على الفعالية العملية للنموذج في تحقيق أهداف نمو سريعة.
وفي إطار التطلعات المستقبلية تشير توقعات “مجلس الشرق الأوسط للتمويل البديل” لعام 2025 إلى أن سوق التمويل القائم على الإيرادات في دول الخليج والمملكة العربية السعودية سوف تتجاوز 5 مليارات دولار بحلول عام 2027.
ويدعم هذا النمو بتبني الحكومات لأنظمة مالية مرنة، وتزايد استثمارات صناديق السيولة الخاصة في منصات RBF. وتوجه الشركات الناشئة نحو نماذج تمويل تُحافظ على سيطرتها الإدارية.

نقلة نوعية نحو شراكة في النمو
في النهاية يشكل التمويل القائم على الإيرادات نقلة نوعية في فلسفة دعم الشركات؛ حيث يحوّل العلاقة بين الممول والشركة من مجرد دائنٍ ومدينٍ إلى شريكين حقيقيين في النمو. فرغم تحدياته تثبت الأدلة من الأسواق الرائدة أنه حلٌّ حيوي للشركات التي تبحث عن تمويل سريع وغير متسلط. لا سيما في اقتصادات سريعة التحول مثل دول المنطقة.
ومع نضوج البيئة التشريعية وازدياد وعي رواد الأعمال بالمزايا التي يُقدمها هذا النموذج. من المتوقع أن يصبح التمويل القائم على الإيرادات العمود الفقري لتمويل المراحل المبكرة في العقد المقبل. ما يعزز الابتكار ويدفع عجلة التنمية الاقتصادية في المنطقة.


