شهد الاستثمار الجريء في التقنية الصحية بالمملكة العربية السعودية نموًا لافتًا خلال النصف الأول من عام 2025، ما يؤكد التحول النوعي الذي يشهده القطاع.
وجاء هذا القطاع في المرتبة السادسة من حيث إجمالي الاستثمارات، وفقًا لتقرير “MAGNiTT للاستثمار الجريء في السعودية”؛ حيث بلغ حجم التمويل 22 مليون دولار.
ولم يقتصر هذا التقدم على التمويل فحسب، بل شمل تنوعًا في طبيعة الحلول المدعومة؛ ما يظهر نضج السوق السعودية.
علاوة على ذلك برز الاستثمار الجريء في التقنية الصحية بمجالات نوعية تتجاوز التطبيقات الطبية التقليدية. شمل هذا التنوع: حلول إدارة التأمين الصحي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنصات رقمية لمراقبة واعتماد مزودي الخدمة داخل المنشآت الطبية.
بالإضافة إلى أنظمة متقدمة للتشخيص المبكر لأمراض. مثل: القدم السكري باستخدام التصوير الحراري.
أبعاد الابتكار وتنوع الحلول المدعومة
وبالإضافة إلى ذلك اتسعت مجالات الاستثمار الجريء في التقنية الصحية لتشمل حلولًا مصممة لتحسين كفاءة العمليات الطبية. كما ظهرت تطبيقات تعتمد على المساعدين الذكيين لتوثيق التقارير الطبية في عيادات الأسنان؛ ما يقلل من الأعباء الإدارية على الأطباء.
كذلك حظيت برامج إدارة الوزن والصحة السلوكية باهتمام كبير، في حين ركزت بعض الاستثمارات على تطوير أدوات تساعد الأفراد على متابعة صحتهم بشكلٍ استباقي وواعٍ.

من ناحية أخرى لا تزال هذه الأرقام، على أهميتها، لا تواكب حجم التحديات والطموحات في القطاع. وفي حين أن الاستثمار الجريء في التقنية الصحية يشهد زخمًا، لا تزال هناك حاجة ماسة لضخ المزيد من رؤوس الأموال لتسريع وتيرة الابتكار.
وذلك لأن حجم القطاع الصحي، وتنوع احتياجاته، يتطلب استثمارات ضخمة ومتواصلة لضمان تحقيق تحول رقمي شامل ومستدام.
تطلعات القطاع والتحديات التي تواجهه
تؤكد هذه المؤشرات أن السوق السعودية تتمتع بحيوية كبيرة واستعداد تام لتبني التقنيات الصحية المبتكرة. كما أنها تعكس التحول الجذري الذي تشهده، وتحوله إلى بيئة جاذبة للشركات الناشئة التي تسعى لإيجاد حلول للتحديات القائمة في المنظومة الصحية.
هذا التطور الملحوظ ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مباشر للمبادرات الحكومية الرامية لتمكين القطاع الخاص.
وعلى الرغم من هذا التقدم تواجه المنظومة الصحية تحديات كبيرة تتطلب حلولًا أكثر تكاملًا. فمن ناحية تسعى شركات التأمين إلى خفض التكاليف، بينما تركز المستشفيات على جودة الخدمة وربحيتها.
في حين تعني الجهات التنظيمية بالسلامة والامتثال. أما الشركات الناشئة فتنشد النمو والابتكار. ما يتطلب منصات موحدة لتبادل البيانات بشكل آمن وفعّال.
بناء الثقة مع المنظومة الصحية
وفي هذا الصدد قال الدكتور عبد الرحمن البليهشي؛ الرئيس التنفيذي لشركة ريادة الصحة، في تصريح خاص لـ”رواد الأعمال”، إن بقاء الشركات الناشئة لن يعتمد فقط على الفكرة المبتكرة، بل على قدرتها على بناء الثقة مع المنظومة الصحية بأكملها.
فيما أوضح أن الشركات التي تلتزم بالتشريعات منذ البداية، وتثبت أن حلولها تقلل التكاليف وترفع من جودة الخدمة، بالإضافة إلى قدرتها على التكامل مع أنظمة المستشفيات والتأمين، هي وحدها من ستبقى.
وتابع: وفي المقابل الشركات التي تركز على التسويق دون إظهار أثر حقيقي على أرض الواقع فمصيرها التلاشي مع الوقت.
وفي السياق ذاته أشار الدكتور البليهشي إلى أن التوازن المطلوب دقيق؛ إذ يتوجب الجمع بين السرعة والانضباط، لافتًا إلى أن ذلك يتم عبر إطلاق منتجات أولية (MVPs) في بيئات اختبارية أو Sandboxes تشرف عليها الجهات التنظيمية، مع إشراك خبراء القانون والامتثال في المراحل الأولى للتطوير،
كما أكد أن هذه المنهجية تضمن تسريع الابتكار مع الحفاظ على التوافق، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في بناء اقتصاد صحي رقمي متكامل.
حلول فعّالة وجذرية
وحول دور هذه الحلول قال “البليهشي” إنها ستنقل دور الطبيب من مجرد منفّذ للفحوصات إلى موجّه إستراتيجي للعلاج، مشيرًا إلى أن المريض سيحصل على بيانات دقيقة لحظيًا، بينما يستخدمها الطبيب لاتخاذ قرارات مدعومة بالعلم؛ ما سينتج عنه علاقة أكثر تشاركية وشفافية.
ومع ذلك شدّد على أنه لا غنى عن البُعد الإنساني، فالتقنية لن تحل محل الطبيب، بل تجعله أقرب للمريض عبر خدمة أكثر دقة ووعيًا.

وفيما يخص التحديات أضاف الدكتور البليهشي أن التحدي الأكبر يتمثل في توحيد المصالح وتكامل البيانات، موضحًا أن شركات التأمين تهدف إلى خفض التكاليف، والمستشفيات تركز على جودة الخدمة وربحيتها، بينما الجهات التنظيمية معنية بالسلامة والامتثال، أما الشركات الناشئة فتنشد النمو والابتكار.
كذلك لفت إلى إنه ما لم توجد منصات موحدة لتبادل البيانات الصحية بشكل آمن وفعّال. فلن تستوعب المنظومة هذه الابتكارات. موضحًا أن الاستثمار في Interoperability Platforms سيكون حجر الزاوية لنجاح التحول الصحي الرقمي في المملكة.
أهمية دور المستثمرين وصناع السياسات
علاوة على ذلك أشار إلى أهمية دور المستثمرين وصناع السياسات، قائلًا: “إن الأولوية للمستثمرين هي إنشاء صناديق متخصصة في التقنية الصحية برؤية طويلة المدى. والاستثمار في الشركات القادرة على التكامل مع الأنظمة الوطنية. مع تقديم شراكات عملية تتجاوز التمويل المالي”.
كما أضاف أن الأولوية لصناع السياسات تكمن في تسريع إصدار لوائح واضحة خاصة بالذكاء الاصطناعي الصحي. وإطلاق بيئات اختبار تنظيمية، بالإضافة إلى تحفيز تبني التقنية عبر المشتريات الحكومية.
في حين اختتم الدكتور البليهشي تصريحه بتأكيد أن هذه الخطوات تجعل المملكة في موقع ريادي عالمي. ما يتماشى مع رؤية 2030. ويؤهلها لتكون من أكبر أسواق التقنية الصحية الجاذبة للاستثمارات الجريئة.


