لطالما مثل الفن أصلًا بديلًا ذا قيمة عاطفية ومالية، وظل ملاذًا آمنًا للمستثمرين في أوقات اقتصادية صعبة.
ومنذ مطلع العام 2021م، شهد الاستثمار في الفن انتعاشًا ملحوظًا، ليثبت قدرته على الصمود أمام التحديات الاقتصادية العالمية.
واجه سوق الفن الأساسي، تراجعًا مؤقتًا في أعقاب جائحة “كوفيد-19″، لكن أظهرت السوق الثانوية قدرة استثنائية على النمو والازدهار.
وربما يعود هذا الانتعاش إلى طبيعة الفن الفريدة، كونه يمثل استثمارًا في تجارب إبداعية وقيم ثقافية خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
بالأساس، يقدم الاستثمار في الفن للمستثمرين فرصة لتنويع محافظهم الاستثمارية، وتحقيق عائدات مجزية على المدى الطويل، كما يتيح لهم امتلاك قطع فنية ذات قيمة جمالية وتاريخية وثقافية لا تقدر بثمن.
وبالتالي، يمكن القول إن الاستثمار في الفن قد أثبت نفسه كفئة أصول قابلة للحياة، ويمثل استراتيجية ذكية لتنويع الثروة وتحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل.
لماذا الاستثمار في الفن؟
شهدت المزادات الكبرى، مؤخرًا ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الأعمال الفنية؛ حيث بيعت لوحة “طلقات سريعة للأميرة الزرقاء مارلين” (1964) للفنان الشهير آندي وارهول، بسعر قياسي بلغ 195 مليون دولار في مزاد نُظم مايو 2022.
نمو قوي
تُشير الإحصائيات الأوروبية، إلى أن إجمالي مبيعات الفن العالمية قد تجاوزت 65.1 مليار دولار في عام 2021، وفقًا لتقرير مشترك صادر عن مؤسسة “آرت بازل” وبنك “يو بي إس” العالمي للفن.
ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 29 % عن 2020، متجاوزًا مستويات ما قبل الجائحة في 2019، كما أظهر التقرير أن حجم المبيعات قد تعافى من مستويات “كوفيد-19″؛ حيث ارتفع بنسبة 17% عام 2021، ليصل إلى حوالي 36.7 مليون عملية بيع.
ملاذ آمن من تقلبات السوق
على عكس الأصول التقليدية مثل: الأسهم والسندات، لا يتأثر الفن بشكلٍ كبير بتقلبات السوق؛ إذ يعد شراء الفن بمثابة مخزن للقيمة ينفصل تمامًا عن تحركات الأصول التقليدية، ما يجعله ملاذًا آمنًا للمستثمرين خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي.
ارتباط ضعيف بالأسواق التقليدية
تظهر الدراسات أن الارتباط بين الفن وجميع فئات الأصول الأخرى يكون ضعيفًا إيجابيًا أو قريبًا من الصفر.
فعلى سبيل المثال، أظهر الفن المعاصر والأسهم المتقدمة ارتباطًا ضعيفًا سلبيًا بين عامي 1985 و2021، في حين أظهر ارتباطًا ضعيفًا إيجابيًا مع سندات الدخل الثابت ذات التصنيف الاستثماري.
مقاومة لانخفاض القيمة
على عكس الأصول المادية الأخرى مثل: المنازل والسيارات، لا تنخفض قيمة الفن مع مرور الوقت، بل على العكس، يمكن أن تزداد قيمة الأعمال الفنية النادرة أو ذات الأهمية التاريخية بمرور السنين.
وفي خضم هذا الأمر، حقق مؤشر Masterworks.io لجميع أنواع الفن، عائدًا بنسبة 28.2 %، خلال الفترة من يناير 2020 إلى يونيو 2021، وهو ما يعادل عائدات فئات الأصول عالية المخاطر الأخرى.
ملاذ محتمل ضد التضخم
أثبتت دراسات جامعة “ستانفورد” الأمريكية، أن أسعار الفن المعاصر، وما بعد الحرب قد شهدت ارتفاعًا سنويًا متوسطًا في الأسعار الحقيقية، 23.2 %، خلال الفترات التي كان فيها التضخم 3.0 % أو أكثر، وتشير هذه النتائج إلى أن الفن قد يكون بمثابة ملاذ محتمل ضد التضخم.
القيمة الجمالية
يوفر الاستثمار في الفن، متعة جمالية وفريدة من نوعها؛ حيث يمكن للمستثمرين الاستمتاع بمشاهدة الأعمال الفنية وتقديرها مباشرة.
مخاطر الاستثمار في الفن
يمثل الاستثمار في الفن، خيارًا جذابًا لتنويع المحفظة الاستثمارية وتحقيق عائدات مجزية على المدى الطويل، ولكن، مثل أي استثمار آخر، ينطوي على مخاطر يجب على المستثمرين إدراكها وفهمها قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
أولًا: تعد الأصول الفنية أصولًا غير سائلة، ما يعني صعوبة بيعها بسرعة لتحويلها إلى نقود سريعة. قد يستغرق العثور على مشترٍ مناسب وقتًا طويلًا جدًا، خصوصًا للقطع الفنية ذات القيمة العالية؛ لذلك، ينصح باعتبار الاستثمار في الفن جزءًا من استراتيجية استثمارية طويلة الأجل، مع عدم توقع عائدات منتظمة أو سهولة بيعها.
ثانيًا: ترتبط بالاستثمار في الفن التكاليف العالية وتشمل التعامل والتخزين والتأمين، كما يتعين على المستثمرين دفع تكاليف الصيانة والترميم؛ للحفاظ على قيمة العمل الفني على المدى الطويل.
ثالثًا: يعد التزييف خطرًا كبيرًا في سوق الفن، خصوصًا للمستثمرين غير المختصين؛ لذلك، من الضروري إجراء بحث شامل عن القطعة الفنية قبل الشراء، والتأكد من صحتها من خلال شهادة الأصالة، ورقم الإصدار، وفحص المواد.
رابعًا: تفتقر سوق الفن إلى المعلومات الشفافة؛ حيث تُنفذ العديد من الصفقات عن طريق المبيعات الخاصة، ما قد يصعب على المستثمرين الوصول إلى معلومات دقيقة حول قيمة الأعمال الفنية، أو العثور على عناصر مقارنة مناسبة لتقييمها.
خامسًا: يعد الفن أصلًا فريدًا من نوعه، ما يجعل تقييمه عملية معقدة تعتمد على العديد من العوامل، مثل: الحالة، والأصالة، والندرة، والسياق التاريخي؛ لذلك، ينصح بالاستعانة بخبراء مختصين في تقييم الفن قبل اتخاذ قرار الشراء.
وعلى الرغم من هذه المخاطر، إلا أن الاستثمار في الفن قد يقدم عائدات مجزية على المدى الطويل؛ خصوصًا للمستثمرين الذين لديهم خبرة ودراية بسوق الفن.
كما يتيح الاستثمار في الفن للمستثمرين امتلاك قطع إبداعية ذات قيمة جمالية وفنية وثقافية عالية.

طرق الاستثمار في الفن
يعد الفن استثمارًا جذابًا لأسباب عدة، فهو يمنح المتعة الجمالية، ويتيح فرصة تنويع المحفظة الاستثمارية، ويمكن أن يحقق عوائد مجزية على المدى الطويل.
السوقان الرئيسيان
ينقسم سوق الفن إلى قسمين رئيسيين:
- السوق الأولي: يشمل شراء الأعمال الفنية مباشرة من الفنان أو المعرض، وهي المرة الأولى التي تباع فيها هذه الأعمال.
- السوق الثانوي: يشمل إعادة بيع الأعمال الفنية التي بيعت مسبقًا، إما من قبل المالك الأصلي أو في دور المزادات أو صالات العرض.
دور المزادات
لا شك أن دور المزادات من أكثر قنوات البيع شيوعًا في السوق الثانوي للأعمال الفنية؛ حيث تتيح للمشترين فرصة المزايدة على قطع نادرة وقيمة، لكنها تتضمن أيضًا عمولات إضافية قد تصل إلى 30 % من سعر البيع.
ومن أشهر دور المزادات العالمية صالة “سوثبيز” و “كريستيز”، في حين تقدم دور المزادات الأصغر، مثل: Artfinder و Society6، فرصًا للمستثمرين الأفراد لشراء أعمال فنية أقل شهرة.
صالات العرض الفنية
توفر صالات العرض الفنية للمستثمرين فرصة لرؤية مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية المقيمة، من قبل خبراء الفن.
وتعرض بعض الصالات أعمالًا فنية أصلية لم تبع من قبل في السوق الأولي.
فيما تركز صالات أخرى على إعادة بيع الأعمال الفنية في السوق الثانوي.
المعارض الفنية
تتيح المعارض الفنية للمستثمرين فرصة الشراء مباشرة من الفنانين؛ إذ تعد هذه المعارض مناسبة لاكتشاف فنانين ناشئين، لكنها لا تضمن العثور على أعمال فنية ذات قيمة استثمارية عالية.
صناديق الفن والأسهم الجزئية
تمثل صناديق الفن والأسهم الجزئية، خيارًا مثاليًا للمستثمرين المبتدئين الذين لا يملكون رأس مال كبير؛ حيث تسمح هذه الصناديق للمستثمرين بشراء حصة في عمل فني إلى جانب مستثمرين آخرين، ما يتيح لهم تنويع محفظتهم وتقليل المخاطر.
بشكلٍ عام، يعد الاستثمار في الفن خيارًا واعدًا للمستثمرين الذين يبحثون عن أصول فريدة ذات قيمة جمالية ومالية، مع إمكانية تحقيق عائدات مجزية على المدى الطويل.
ولكن، قبل اتخاذ هذا القرار، من الضروري إجراء بحث شامل، وفهم طبيعة هذا السوق، والتأكد من صحة الأعمال الفنية قبل الشراء، والاستعانة بخبراء مختصين لتقييمها، ووضع خطة استثمارية طويلة الأجل تأخذ بعين الاعتبار المخاطر والعوامل المؤثرة على قيمة الفن.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
أفضل 10 تطبيقات لكسب المال لعام 2024.. منصات مربحة
دليل الاستثمار الصحيح.. نصائح مُهمة
حلم الثراء الأمريكي.. حكايات من وراء الكواليس


