أيام ثقيلة تمر على البشرية؛ بسبب وباء كوفيد-19، ويحذونا حُسن الظن بالله الرؤوف بعباده، واليقين برحمته، في زوال هذا الوباء، عندما نقرأ قوله تعالى: “فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ”، فلم يقل: أصابكم بل أثابكم، وكأن الغم مثُوبة وليس عقابًا، وأن الله- سبحانه اللطيف الخبير- يبتلينا ليهذبنا، لا ليعذبنا.
والمتأمل في سلوك الأمم خلال هذه الحقبة من الزمن التي نعيشها، يستنبط تغييرات جلية حدثت جرَّاء هذا الوباء، منها آثار غائرة اقتصادية واجتماعية على مستوى العلاقات بين الدول، وأيضًا بين أفراد الشعوب.
لم أستغرب مساعدة مصر لبعض الدول بإرسالها معونات طبية، خاصة بعد انقطاع سلاسل التوريد العالمية، واستيلاء بعض الدول على معونات كانت ذاهبة لدول أخرى؛ فسوف يذهب الوباء وتبقى قِيَم الوفاء، ويزيد الاعتماد على الصناعة والإنتاج والأفكار الإبداعية المحلية؛ إذ رأيت بشركة النصر العريقة بالمحلة الكبرى كيف استحدثوا خطوط إنتاج آلاف الكمامات يوميًا.
أخيرًا، أدرك المجتمع أهمية تحويل الأبحاث لمنتجات تنقذ حياة البشر، فتعاونت مجموعة العربي مع مدينة زويل لإنتاج أجهزة تنفس صناعي، بثلاثة نماذج أولية لأجهزة تنفس اصطناعي بتكلفة منخفضة:
النموذج الأول: يعمل في مرحلة ما قبل العناية المركزة، وروعي في تصميمه سهولة الإنتاج الكمي بتكلفة من ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ جنيه مصري للوحدة.
النموذج الثاني: تكلفته الإنتاجية في حدود ١٠ آلاف جنيه، ويمكن استخدامه في علاج حالات الالتهاب الرئوي.
النموذج الثالث: ثمرة تعاون مدينة زويل مع جامعة إلينوي، ويُنفذ باستخدام مكونات محلية بالكامل، وتكلفته ستكون أقل من نظيره المستورد بنسبة ٧٠٪.
كذلك، رأيت مثالًا أفتخر به لرواد الأعمال الذين يظهرون وقت الشدائد لحل المشكلات بصورة مبتكرة؛ إذ ابتكرت شركة سِيمبلكس المصرية- المحتضنة بإحدى حاضنات أكاديمية البحث العلمي- بوابة تعقيم ذاتي؛ حيث يقوم جهاز خاص بقياس درجة حرارة وتعقيم أي فرد يمر من خلاله، واستخدام تكنولوجيا لرش مواد معقمة بنسب معينة.
يقوم الجهاز بعملية فحص سريعة ودقيقة لدرجة حرارة الأشخاص؛ للتأكد من أنها في المستوى الطبيعي، والتعقيم الكامل للأشخاص عبر المرور داخل قناة تعقيم تقوم بعملية التطهير التلقائي؛ من خلال استشعار الحركة بداخلها في أقل من 10 ثوان.

وبفضل تكنولوجيا رش الرذاذ المعقم داخل نفق التعقيم، سيكبح عمل البكتيريا والفيروسات لفترة أطول، ويضمن الحماية لفترة كبيرة؛ حيث يمكن وضعه في المستشفيات، والعيادات، والمصالح الحكومية، والأندية، والمولات، والبنوك، والمحال التجارية، والشركات، والمصانع، ومحطات مترو الأنفاق، وغيرها من الأماكن.
وعلى الصعيد العالمي، ما زال رواد الأعمال يقتنصون ويصنعون الفرص، فالأمريكي آڤي شيفمان، طالب ثانوي عمره 17 عامًا فقط، أطلق موقعًا إلكترونيًا مباشرًا لتتبع كورونا على الإنترنت ncov2019.live، اطلع عليه أكثر من 27 مليون زائر؛ ما جعل العروض تنهال عليه بثمانية ملايين دولار نظير الإعلانات، لكنه لم يتخذ قراره بقبولها، فلعله ينتظر المزيد.
لقد تغير العالم فجأة، فالكعبة المشرفة تشتاق للطائفين، وديزني تفتقد زوارها بالملايين، وباريس وروما ومدريد ونيويورك والمدن المزدحمة صارت شوارعها خاوية، فقد اخترق فيروس كورونا سور الصين بسهولة؛ حتى صار عدم التقائك بأصدقائك تعبيرًا عن الخوف عليهم، بعد أن أصبحت الأحضان والقبلات والمصافحة من الأسلحة الفتاكة.
أيها الإنسان: إنَّ الأرض والسماء والهواء والماء من دونك بخير، فأنت من عبثت بها ولوثت أجواءها. إنك ضيف عابر استخلفك الله في أرضه، فهل أديتَ أمانتك وشَعُرتَ بمسؤوليتك؟
إنَّ الوباء كالنار وأنت وقودها، فإن لم تجدك وتجد غيرك، أكلت نفسها وانطفأت لحالها؛ فالزم دارك واحمِ نفسك وأهلك، وتذكر من قصص القرآن الكريم، قول نملة عندما شعرت بالخطر: “ادخلوا مساكنكم”.
اقرأ أيضًا:
المقومات التسعة لشخصية رائد الأعمال


