تتحرك شركة «هواوي» بخطوات متسارعة لإعادة تشكيل مستقبل صناعة الرقائق الإلكترونية، مستندةً إلى قيادة تقنية بارزة تقف خلف واحدة من أكثر الإستراتيجيات الصينية طموحًا في قطاع أشباه الموصلات.
وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، فإن هي تينغبو، التي تشغل منصب رئيسة قطاع أشباه الموصلات في «هواوي»، أصبحت محورًا رئيسًا في جهود الشركة لتطوير بدائل محلية قادرة على تجاوز العقوبات الأمريكية. وذلك بعد أكثر من عقدين من العمل داخل الشركة التي تحولت إلى أحد أهم عمالقة التكنولوجيا عالميًا.
ويعكس صعود هي تينغبو التحولات العميقة التي شهدتها صناعة التكنولوجيا الصينية خلال السنوات الأخيرة. خصوصًا مع انتقال التركيز من الاعتماد على الموردين الأجانب إلى بناء قدرات محلية متقدمة في مجالات الرقائق والمعالجات وأنظمة الحوسبة. كما أن الدور الذي تؤديه داخل «هواوي» بات يمثل جزءًا أساسيًا من إستراتيجية الصين الصناعية طويلة المدى.
بداية مبكرة قادت إلى قيادة إستراتيجية
عندما أسندت «هواوي» إلى هي تينغبو مسؤولية تطوير الرقائق الإلكترونية عام 2003، حصلت على ميزانية سنوية بلغت 400 مليون دولار. إضافة إلى تفويض واسع لبناء قدرات تقنية داخلية قادرة على دعم توسع الشركة في مختلف القطاعات الرقمية.
وبعد سنوات قليلة، ساعدت «هي» في تأسيس وحدة تصميم الرقائق التابعة للشركة، المعروفة باسم «هاي سيليكون». والتي تحولت تدريجيًا من قسم داخلي محدود إلى واحدة من أكبر منصات تطوير أشباه الموصلات داخل الصين. كما لعبت دورًا محوريًا في توسيع مجالات عمل الوحدة لتشمل الهواتف الذكية، والذكاء الاصطناعي، والمعالجات متعددة الاستخدامات، وتقنيات الاتصالات.
وتشغل هي اليوم عضوية مجلس إدارة «هواوي» المكوّن من 17 عضوًا، إلى جانب عضويتها في اللجنة العلمية التابعة للشركة. كما تُعد واحدة من امرأتين فقط داخل المجلس، إلى جانب منغ وانتشو، ابنة مؤسس الشركة رين تشنغفي والرئيسة الدورية لمجلس الإدارة.

قانون جديد لمستقبل الرقائق
عادت «هي تينغبو» إلى الواجهة العالمية هذا الأسبوع بعد مشاركتها في الندوة الدولية للدوائر والأنظمة بمدينة شنغهاي. حيث ألقت كلمة رئيسية بعنوان «المسار الجديد لأشباه الموصلات قيد التطبيق»، كشفت خلالها عن ما أطلقت عليه «هواوي» اسم «قانون تاو للتوسع».
ويأتي هذا الطرح في وقت تواجه فيه صناعة الرقائق تحديات متزايدة مرتبطة بتراجع فعالية «قانون مور». الذي ارتبط لعقود بزيادة عدد الترانزستورات داخل الشريحة الإلكترونية وتحسين الأداء عبر تصغير المكونات. إلا أن اقتراب الصناعة من الحدود الفيزيائية الدقيقة لعمليات التصنيع دفع الشركات العالمية إلى البحث عن بدائل جديدة لرفع الكفاءة.
وأوضحت «هواوي» أن «قانون تاو للتوسع» يعتمد على تحويل التركيز من تصغير الترانزستورات إلى تسريع نقل البيانات بين الأجهزة والدوائر وأنظمة الحوسبة المختلفة. كما أكدت الشركة أن فرقها الهندسية أمضت السنوات الست الماضية في تطبيق هذا النهج، وتمكنت بالفعل من إنتاج 381 شريحة إلكترونية على نطاق تجاري.
العقوبات الأمريكية غيّرت مسار الشركة
واجهت «هواوي» تحديات كبيرة منذ بدء العقوبات الأمريكية عام 2019، بعدما حُرمت من الوصول إلى تقنيات الرقائق الأجنبية المتقدمة وتقنيات التصنيع الحديثة. وهو ما أثر على أعمالها في الهواتف الذكية ومعدات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية.
ومع ذلك، دفعت هذه الضغوط الشركة إلى تسريع استثماراتها في البحث والتطوير، والتركيز على بناء منظومة محلية متكاملة لصناعة الرقائق. كما توسعت الجهود الصينية لدعم الشركات المحلية العاملة في قطاع أشباه الموصلات. بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الدوليين.
ويرى مراقبون أن إستراتيجية «هواوي» وأشباه الموصلات أصبحت تمثل نموذجًا واضحًا لمحاولات الصين إعادة هيكلة قطاع التكنولوجيا محليًا. خصوصًا مع تزايد القيود الغربية المفروضة على تصدير التقنيات الحساسة.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم هي تينغبو بمرحلة إعادة بناء الشركة بعد العقوبات. خصوصًا بعد الرسالة الشهيرة التي وجهتها عام 2019 إلى موظفي «هاي سيليكون». والتي أكدت فيها أن الوحدة كانت تعمل على «بناء شريان حياة احتياطي لهواوي وللبلاد بأكملها».
مسيرة مهنية تعكس صعود التكنولوجيا الصينية
وُلدت هي عام 1969م في مدينة تشانغشا بمقاطعة هونان جنوب الصين، وانضمت إلى «هواوي» عام 1996م كمهندسة. بعد حصولها على درجتي البكالوريوس في فيزياء أشباه الموصلات وهندسة الاتصالات. إضافة إلى درجة الماجستير من جامعة بكين للبريد والاتصالات.
وامتدت مسيرتها المهنية بالتوازي مع صعود «هواوي» عالميًا؛ حيث ساهمت في تطوير تقنيات الشرائح المدمجة والإلكترونيات الضوئية وتقنيات التغليف المتقدمة. كما ساعدت الشركة على توسيع حضورها في قطاعات الذكاء الاصطناعي والشبكات والإلكترونيات الاستهلاكية.
وحققت «هواوي» إيرادات بلغت 880.9 مليار يوان (130 مليار دولار) خلال عام 2025. ما يعكس استمرار قدرتها على النمو رغم العقوبات والقيود التقنية. كما تؤكد هذه الأرقام أن الشركة ما زالت لاعبًا رئيسيًا في سوق التكنولوجيا العالمي.
ويعتقد محللون أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى مستقبل هواوي وأشباه الموصلات. خصوصًا مع اشتداد المنافسة العالمية على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. كما أن نجاح الشركة في تطوير حلول تتجاوز القيود الحالية قد يمنح الصين دفعة إستراتيجية كبيرة في سباق التكنولوجيا العالمي خلال السنوات المقبلة.


