يعتمد النجاح المستدام بشكل أقل على قدرة رواد الأعمال تحمل الضغوط، وأكثر على مدى كفاءتهم في إدارة طاقتهم وتركيزهم وقدرتهم على اتخاذ القرارات.
فالمرونة. بهذا المعنى، لا تعني الاستمرار لفترة أطول، بل الحفاظ على الأداء.
المرونة ورياد الأعمال
لطالما ارتبطت ريادة الأعمال بالجهد المكثف: ساعات عمل طويلة، وضغط متواصل، وتمجيد للصمود.
لكن الفكرة الضمنية واضحة: المرونة تعني بذل جهد أكبر، والاستمرار لفترة أطول، والتضحية أكثر.
إلا أن هذه الفكرة مضللة، فهي تخلط بين الصمود والقدرة على الأداء على المدى الطويل.

تقول “ليزا بيفيل”، من موقع ie.edu، يعمل رواد الأعمال في بيئات تتسم بالغموض والضغط النفسي واتخاذ القرارات باستمرار.
في الوقت نفسه تزيد هذه الظروف من التوتر وخطر الإرهاق، ما يؤثر في نهاية المطاف على صحة الفرد وأداء المشروع.
في هذا السياق، لا يمكن اختزال المرونة إلى مجرد قدرة على التحمل. بل يجب فهمها على أنها القدرة على التكيف والتعافي والاستمرار في الأداء بمستوى عالٍ على المدى الطويل.
لكن هذا يتطلب تحولًا: من النظر إلى المرونة على أنها قدرة على التحمل إلى فهمها على أنها قدرة مستدامة.
غالبًا تنظر النظرة التقليدية إلى المرونة على أنها سمة شخصية، إما أن يمتلكها المرء أو لا.
هذا النهج محدود، إذ يفترض أن المرونة ثابتة، بدلًا من كونها صفة يمكن تطويرها بمرور الوقت، وتعزيزها من خلال التعلم والتكيف المستمرين.
في الوقت نفسه عمليًا، يعزز هذا النهج أيضًا نموذجًا للقيادة يقوم على الضغط والسيطرة وتحقيق الأداء بأي ثمن.
لكن المرونة لا تعمل بهذه الطريقة. في حين تظهر أبحاث آن ماستن في جامعة مينيسوتا، أن المرونة عملية تكيفية. تتشكل من خلال كيفية استجابة الأفراد للضغوط والاستفادة من الموارد المتاحة لهم.
علاوة على أنه مع توسع أعمال رواد الأعمال، يتوسعون أيضًا في فرق عملهم.
وبذلك، يشكلون ثقافة الشركة وتوقعاتها وأداءها. من خلال أولوياتهم، واللغة التي يستخدمونها، وسلوكهم، وطريقة اتخاذهم للقرارات.
إذا ركزوا فقط على نماذج الأعمال وأهملوا كيفية قيادتهم وإدارتهم لأنفسهم، فإنهم ومؤسساتهم يصبحون أكثر هشاشة تحت الضغط.
ما المرونة؟
تُجسّد المرونة، عمليًا، شكلًا من أشكال القدرة البشرية. وهي تتطلب نظرة أكثر تكاملًا لكيفية عملنا جسديًا وعقليًا. مع إدراك الروابط بين الطاقة والإدراك والغاية والأنظمة الاجتماعية التي نعمل ضمنها.
ويشمل ذلك بيولوجيتنا وجهازنا العصبي، اللذين يحددان كيفية استجابتنا للضغوط واتخاذنا للقرارات، غالبًا بطرق أكثر انفعالًا مما نُدرك.
إلى جانب التنظيم العاطفي والقدرة على بناء العلاقات الإنسانية، يمكّن من تحقيق أداء أكثر اتساقًا على المدى الطويل. ويعدّ هذا التحوّل نحو فهم أعمق للقدرات البشرية أمرًا بالغ الأهمية لاستدامة الأداء.
كذلك لا يتعرض رواد الأعمال لنوع واحد من المصاعب فحسب، بل لسلسلة متواصلة من التحديات المتغيرة.
بما في ذلك عدم الاستقرار المالي، وتقلبات السوق، والتوترات الشخصية، والضغوط المتعلقة بالهوية. إن المرونة ليست ثابتة، ولا يمكن أن تكون كذلك. إنها مرتبطة بالسياق وقابلة للتطوير، وتنشأ من خلال التفاعل بين الضغط النفسي، وإستراتيجيات التكيف، والموارد المتاحة.
على سبيل المثال، أظهرت دراسة أجرتها جينغجينغ ليو من جامعة نانجينغ للعلوم والتكنولوجيا وزملاؤها أن أسلوب إدارة المؤسسين لأنفسهم يؤثر مباشرة على أداء فرقهم.
بالإضافة إلى قدرة المؤسسين الذين يتمتعون بقدرة أفضل على التعامل مع الضغوط والغموض، على بناء ديناميكيات فريق أقوى.
ما يحسّن بدوره الأداء العام للمشروع. بعبارة أخرى، يؤثر أسلوب إدارة المؤسسين لأنفسهم في أداء مؤسساتهم ونجاحها.
التكلفة الخفية للأداء العالي
غالبًا ما تتميز بيئات ريادة الأعمال بمستوى عالٍ من الاستقلالية ومتطلبات عالية. وبينما يمكن للاستقلالية أن تحفز الدافعية وتخفف من الضغط النفسي قصير الأجل. فإن المتطلبات العاطفية والمعرفية المفرطة قد تقلل من القدرة والطاقة، وتؤدي إلى الإرهاق.
يتوافق هذا مع نماذج نفسية أوسع نطاقًا، مثل نموذج متطلبات العمل والموارد للإرهاق الوظيفي. الذي يشير إلى أن الأداء والرفاهية يعتمدان على التوازن بين المتطلبات المفروضة على الأفراد والموارد المتاحة لتلبيتها. فعندما تتجاوز المتطلبات الموارد باستمرار، لا تكون النتيجة هي المرونة، بل الاستنزاف.
الضغط النفسي
علاوة على ذلك، يبرز الضغط النفسي الذي يعاني منه رواد الأعمال أهمية آليات التعافي.
فبحسب سابين سوننتاج من جامعة مانهايم، فإنه من دون فصل نفسي كاف واستعادة النشاط، يتراكم الضغط النفسي ويؤثر سلبًا في الصحة النفسية والقدرة على اتخاذ القرارات مع مرور الوقت.
هذا هو المكان الذي يواجه فيه العديد من رواد الأعمال ذوي الأداء العالي صعوبة. فهم يركزون على زيادة الإنتاج لكنهم يهملون الأنظمة التي تدعمه.
وأخيرًا، فإن رواد الأعمال الأكثر فاعلية ليسوا أولئك الذين يستطيعون تحمل أكبر قدر من الضغط. بل الذين يستطيعون إعادة ضبط أنفسهم، وإدارة الطاقة والانتباه واتخاذ القرارات مع تغير الظروف.


