يبدو أن التحوّلات المهنية في الولايات المتحدة لم تعد تقتصر على الانتقال من وظيفة إلى أخرى، بل أصبحت مرتبطة بالسعي نحو تحقيق توازن أكبر بين الحياة والعمل، وهو ما تعكسه قصة كامي؛ التي وجدت نفسها في أحد أيام الشتاء المعتدلة تقف داخل مشروع المغسلة الخاص بها في ولاية أريزونا، تراقب انشغال المغسلة بالزبائن وهم يحمّلون ملابسهم في الغسالات والمجففات، وبينما كان الموظفون يعملون بهدوء على تجهيز طلبات التوصيل، كانت كامي تشعر بأن حياتها تدخل مرحلة جديدة تتّسم بالاستقلالية والمرونة، بعد سنوات طويلة أمضتها بين ممرات المستشفى.
وبالانتقال إلى تفاصيل تجربتها، توضّح كامي أن إدارة مشروع المغسلة بوصفه عملها الوحيد الآن شكّل بالنسبة إليها تحولًا جذريًا في وتيرة الحياة. فبعد أن كانت تعمل ممرضة بدوامٍ شبهٍ كاملٍ في أحد المستشفيات، كانت في الوقت ذاته تدير المغسلة منذ أكتوبر 2020 حتى أبريل 2023، قبل أن تتخذ قرارًا حاسمًا بترك التمريض والتركيز على مشروعها الخاص.
وتشير كامي إلى أنها تعمل حاليًا ما بين خمس إلى ست ساعات أسبوعيًا فقط في إدارة المغسلة، لكنها مترددة في مشاركة هذا الأمر مع الآخرين؛ لأن الوضع لم يكن بهذه السهولة قبل أعوام قليلة. فقبل خمس سنوات -أو حتى ثلاث- كانت تقضي ساعات طويلة في محاولة تنمية المشروع والاهتمام بجميع تفاصيله بشكلٍ مباشر؛ ما جعل رحلتها نحو الاستقلال المهني مليئة بالجهد والالتزام.
الإدارة الذكية للمشروع وتوسّع فريق العمل
وخلال هذه السنوات، أدركت كامي أن نجاح أي مشروع يعتمد على بناء فريق عمل موثوق ومتكامل. ولذلك قامت بتوظيف عدد من العاملين لرفع مستوى الخدمة وتخفيف العبء التشغيلي عنها. ويعمل اليوم في مشروع المغسلة ستة موظفين، بينهم موظف بدوام جزئي، الأمر الذي مكّنها من التركيز على تنمية المشروع بدلًا من الانشغال بالتفاصيل اليومية له. وفي الإطار نفسه، تقضي كامي نحو عشر ساعات أسبوعيًا في إعداد ونشر مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. لتشارك تجربتها وتقدم محتوى تثقيفيًا مرتبطًا بإدارة المشاريع الصغيرة.
وفي الجانب المالي، تشير الوثائق -التي اطلعت عليها CNBC Make It- إلى أن مغسلة كامي حققت نحو 475 ألف دولار من الإيرادات خلال العام الماضي. إضافة إلى ما يقرب من 30 ألف دولار من الإيجار الذي تتقاضاه من صالون تجميل ملاصق للمغسلة. وشمل ذلك نحو 119 ألف دولار من الأرباح الصافية، أعادت جزءًا منها إلى المشروع كاستثمار، بينما حصلت على 66 ألف دولار كراتب سنوي.
وعلاوة على ذلك، حققت كامي نحو 22 ألف دولار من المحتوى الذي نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي خلال ستة أشهر من عام 2024. وهي في طريقها لتحقيق زيادة كبيرة في عام 2025 قد تصل إلى نحو 200 ألف دولار، وفق تقديراتها. ورغم افتقادها روح الزمالة في المستشفى، فإنها تستمتع اليوم بالحرية التي يوفرها لها مشروعها الخاص. إذ تقول: “هذه أول مرة أقضي فيها جميع العطلات في المنزل. ولم أعد مضطرة لطلب إجازة من مدير أو رئيس، فأوقاتي أصبحت ملكي بالكامل”.
بيع المنزل من أجل شراء المستقبل
وللوصول إلى هذه المرحلة، اضطرت كامي إلى اتخاذ قرار جريء: “بيع منزلها لشراء مشروع المغسلة”. فبعد 13 عامًا من العمل كممرضة، خصوصًا في وحدة زرع نخاع العظم، كانت مستعدة للتغيير، لكنها لم تكن مهتمة بالعودة إلى الدراسة للحصول على مؤهل جديد. وهنا تقول: “كنت أعلم أن السبيل الوحيد للخروج من وظيفتي هو امتلاك مشروع خاص”.
وتصف مراحل بحثها عن مشروع مناسب؛ حيث درست عدة خيارات من بينها تأجير وحدات التخزين وشراء حديقة منازل متنقلة. إلى أن صادفت إعلانًا لمغسلة على موقع “bizbuysell” وهو منصة متخصصة في بيع وشراء المشروعات الصغيرة. وساندها في ذلك أحد أصدقاء العائلة الذي يمتلك خبرة في قطاع المغاسل، ونصحها بأن هذا القطاع يحقق تدفقات نقدية ثابتة دون الحاجة إلى شهادات أكاديمية عليا. وهو ما شجعها على المضي قدمًا.
وتنفيذًا لخطة شراء مشروع المغسلة، باعت كامي منزلها مقابل 310 آلاف دولار في أبريل 2020، وحصلت على نحو 150 ألف دولار من حقوق الملكية، لتستخدمها في سداد جزء من ثمن المغسلة البالغ 300 ألف دولار. كما سحبت 50 ألف دولار من مدخراتها لتدفع 200 ألف دولار كمقدم للشراء. بينما تم تمويل الباقي -نحو 100 ألف دولار- عبر البائع بفائدة 6% لمدة عامين. وتقول كامي إنها سددت هذا القرض في نحو عام ونصف، وإن بيع المنزل لم يكن أمرًا مخيفًا، بل خطوة ضرورية نحو تحقيق الاستقلال المالي.
تطوير مشروع المغسلة وتوسيع الخدمات
وبعد شرائها للمشروع، بدأت كامي بإجراء تجديدات أساسية في المغسلة لجعلها أكثر جاذبية للزبائن. فقد أنفقت نحو 20 ألف دولار على تحسين الإضاءة وتغيير الأرضيات وإعادة طلاء المكان؛ ما جعل الأجواء أكثر دفئًا وألفة. كما تعمل حاليًا على تسديد قروض لشراء غسالات جديدة ومركبات مخصصة لخدمة الاستلام والتوصيل، بإجمالي مدفوعات شهرية تقارب 4,900 دولار.
ومع استمرارها في إدارة المشروع، خففت تدريجيًا من عملها في المستشفى حتى تركته تمامًا في أبريل 2023، واشترت منزلًا جديدًا بعد تحسن وضعها المالي. وتعتمد كامي اليوم على نظام تسعير متدرّج؛ إذ يتراوح سعر الغسيل من 25 سنتًا لكل سبع دقائق في المجففات، وصولًا إلى 12 دولارًا للغسالات كبيرة السعة. كما تختلف أسعار خدمات التوصيل بحسب المسافات والمهام.
وتعترف كامي بأنها واجهت تحديًا كبيرًا في البداية لأنها لم تكن تمتلك أي خبرة سابقة في القيادة أو إدارة الأعمال. وهو ما دفعها إلى الاستماع إلى بودكاستات متخصصة وقراءة كتب في ريادة الأعمال وحضور مؤتمرات سنوية للبقاء على اطلاع بأحدث التوجهات في القطاع.
الربحية والتوسع المستقبلي
وتؤكد كامي أن أحد أكبر الدروس التي تعلمتها خلال رحلتها هو أن تحقيق المال يمكن أن يكون وسيلة لاتباع الشغف خارج إطار العمل المهني التقليدي، بدلًا من محاولة بناء المسار الوظيفي حول الشغف ذاته. ففي حالتها، يكمن شغفها الحقيقي في قضاء الوقت مع أحبائها والتحكم في جدولها اليومي. وهو أمر بات أكثر سهولة منذ حصولها على مشروعها الخاص.
وبالنظر إلى بيانات جمعية المغاسل الأمريكية، فإن متوسط التدفق النقدي للمغاسل يتراوح بين 15 ألفًا و300 ألف دولار سنويًا. بينما قد تصل قيمتها السوقية إلى أكثر من مليون دولار. وتقدّر كامي أنها قد تتمكن من التقاعد خلال سبع سنوات تقريبًا، أو الاستمرار في امتلاك المغسلة مع توظيف مدير يتولى مهام التشغيل.
كما تفكر كامي جديًا في شراء موقع ثانٍ -سواء عبر الاستحواذ على مغسلة جاهزة أو تأسيس واحدة من الصفر- بهدف تطويرها ثم بيعها لتحقيق أرباح إضافية. مؤكدةً أنها ترى الأمر كلعبة ممتعة تستمتع بممارستها. وتختم بقولها: “أحب السعي المستمر للتعلم حتى أتمكن من توسيع المشروع وتنميته. فهذه الرحلة أصبحت جزءًا من هويتي ومستقبلي”.



