في خطوة جديدة تهدف إلى استيعاب المخاوف الأخلاقية المتصاعدة بين كوادرها، سمحت شركة مايكروسوفت لموظفيها بإبداء مخاوفهم بشأن الاستخدامات المحتملة لمنتجاتها التقنية. لا سيما بعد الجدل الذي أثير حول أنشطة الشركة وعقودها في منطقة الشرق الأوسط. وتمثل هذا الإجراء بإضافة خيار لطلب ما يعرف باسم “مراجعة التكنولوجيا الموثوقة” إلى البوابة الداخلية.
وأوضح براد سميث؛ رئيس شركة مايكروسوفت، في مذكرة داخلية كشف عنها ضمن إفصاح مالي رسمي أمس الأربعاء، أن هذا الخيار الجديد يهدف إلى تمكين الموظفين من التعبير عن هواجسهم بشأن الطريقة التي تبنى بها تقنيات الشركة أو كيفية استخدامها من قبل الجهات المتعاقدة. البوابة الداخلية هذه متاحة لأكثر من 200 ألف موظف في مايكروسوفت.
آلية رسمية لحماية الموظفين
تهدف عملية مراجعة التكنولوجيا الموثوقة إلى تمكين الموظفين من ممارسة دور رقابي داخلي على الجوانب الأخلاقية والاجتماعية لعمليات الشركة. ويأتي هذا التوجه ضمن إطار تعزيز الشفافية الداخلية استجابةً للضغوط المتزايدة.
وكتب سميث في المذكرة مؤكدًا على ضمانات الشركة: “تسري سياسة الشركة المعتادة بعدم الانتقام، ويمكنكم إثارة المخاوف بشكلٍ مجهول الهوية”. ويؤكد هذا الضمان التزام مايكروسوفت بحماية الموظفين الذين يتقدمون بطلبات مراجعة التكنولوجيا الموثوقة من أي تبعات وظيفية سلبية.

تداعيات الشرق الأوسط ووقف الخدمات
تأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من قرار مايكروسوفت بوقف بعض خدماتها عن وحدة دفاع إسرائيلية. هذا القرار جاء نتيجة مباشرة للجدل الذي أثير بشأن استخدام تقنيات الشركة في مناطق الصراع.
ففي أغسطس الماضي، نشرت صحيفة ذا جارديان تقريرًا يفيد بأن وحدة 8200 التابعة للجيش الإسرائيلي قد أنشأت نظامًا على سحابة مايكروسوفت (Azure) لتعقب مكالمات الفلسطينيين الهاتفية في إطار الحرب على غزة. ودفع هذا التقرير الشركة إلى فتح تحقيق داخلي فوري بشأن ما ورد فيه من معلومات حساسة.
الاحتجاجات الداخلية ومناخ التوتر
أثار التعاون مع الأطراف المعنية في إسرائيل احتجاجات داخلية بين الموظفين؛ ما أدى إلى سلسلة من عمليات الفصل والاستقالات داخل الشركة. ويعكس هذا المناخ الوعي المتزايد بين الكوادر التقنية بأهمية البعد الأخلاقي في استخدام التكنولوجيا.
ورغم أن أعمال مايكروسوفت تشهد ازدهارًا ملحوظًا؛ حيث بلغت قيمة سهمها مستوى قياسيًا الأسبوع الماضي، بفضل اعتماد شركات كبرى مثل OpenAI وغيرها بشكلٍ متزايد على خدمة Azure لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن الشركة تواجه توترًا داخليًا متزايدًا.
الازدهار المالي والضغوط الداخلية
يتناقض هذا الازدهار المالي الخارجي مع التوترات الداخلية المتعلقة بعدة ملفات؛ منها عمليات تسريح الموظفين، وسياسات العودة إلى المكاتب المفروضة. والجدل المستمر حول بعض العقود الحساسة التي تبرمها الشركة مع جهات حكومية.
وذكرت تقارير إعلامية يوليو الماضي أن وزارة الدفاع الأمريكية تعتمد في تنفيذ بعض مهامها على مهندسين تابعين لشركة مايكروسوفت هؤلاء يعملون انطلاقًا من الصين. وفجّر هذا الكشف مزيدًا من الجدل بشأن ممارسات الشركة الأمنية وحوكمتها عندما يتعلق الأمر بالعقود الدفاعية الحساسة.
تعزيز الحوكمة والمراجعة المسبقة للعقود
وفي سياق تعزيز الشفافية والمساءلة، اختتم سميث مذكرته بالإشارة إلى جهود مايكروسوفت لتقوية حوكمتها الداخلية. فالشركة، التي احتفلت بذكرى تأسيسها الخمسين في أبريل الماضي، تحرص الآن على بناء إطار عمل أكثر صرامة.
وأكد سميث في ختام مذكرته: “نعمل على تقوية عملية المراجعة المسبقة للعقود من أجل تقييم أي تعاملات تتطلب عناية إضافية فيما يخص حقوق الإنسان”. ويعكس هذا الإجراء الجديد تحولًا نحو وضع الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية في مقدمة أولويات القرارات التعاقدية.
الأخلاق التقنية وتحديد المسؤولية
هذا التطور يؤكد على أن المسؤولية الأخلاقية لاستخدام التكنولوجيا لم تعد مقتصرة على الإدارة العليا، بل أصبحت مشتركة بين جميع مستويات الكوادر. ويمنح هذا التمكين الداخلي الموظفين سلطة غير مباشرة للتأثير في اتجاهات الشركة.
وبالتالي، يمثل إطلاق آلية مراجعة التكنولوجيا الموثوقة إقرارًا من الشركة بضرورة دمج الأخلاق التقنية في صلب عملية تطوير المنتجات وتنفيذ العقود. وهو ما يضع سابقة مهمة في قطاع التكنولوجيا العالمي.
التحدي المستقبلي للشركات الكبرى
وفي المجمل، يمكن القول بإن مايكروسوفت تواجه تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على تفوقها المالي في مجال الذكاء الاصطناعي من جهة، والتعامل بحكمة مع التوترات الداخلية والضغوط الأخلاقية المتعلقة بعقودها الحساسة من جهة أخرى. هذا التوازن سيكون المحك الحقيقي لقيادة الشركة في السنوات المقبلة.


