إفلاس الشركات الناشئة لا يُقاس بآثارِه المادية وحسب، بل بما يتركه من ندوب عميقة في العلاقات الإنسانية والثقة المتبادلة. فحين تتهاوى الأحلام فجأة، لا يكون السقوط مؤلمًا بسبب المال وحده. بل بما يخسره المرء من وجوهٍ كانت بالأمس القريب تبتسم له بالدعم والمساندة.
هكذا وجد الزوجان الرائدان كاس ومايك لازيرو نفسيهما أمام لحظة قاسية ومضاعفة الأثر. لم تقتصر على إعلان إفلاس شركتهما الأولى، لكنها تجاوزت ذلك إلى فقدان أصدقاء ومقربين. ظنّاهم سندًا حقيقيًا وداعمًا في رحلة الريادة الشاقة.
خطوات متعثرة تحت وطأة الصدمة
وبينما كان كثيرون يظنون أنّ الفشل المصرفي هو نهاية الحكاية وطي لصفحة الريادة، مضى الزوجان لازيرو بخطواتٍ متعثّرة أولًا تحت وطأة الصدمة. ثم راسخة لاحقًا بفضل الإيمان بقدرتهما، نحو إعادة كتابة قصتهما من جديد.
في حين أثبت الزوجان أن الريادة ليست مجرد حظ عابر أو صفقة ناجحة، بل هي إيمان عميق يتجدّد بعد كل سقوط مدوٍّ.
وبعد أن خسرا مشروعهما الأول “Golf.com” أمام الانهيار المفاجئ لشركة استحوذت عليه. تمكّنا بجرأة لافتة من استعادة ملكية المشروع، ثم بيعه لاحقًا بملايين الدولارات. ليرسخا درسًا مفاده أن حين تتهاوى الأحلام فجأة يجب على الرائد أن يجد القوة في استرجاع زمام المبادرة.
ومن قلب الخسارة المؤلمة والموقف المحرج ولدت التجربة التي جعلت منهما شاهدين حيّين على أنّ الطريق إلى النجاح لا يعبّد بالانتصارات السهلة وحدها، بل بالصبر الجميل على العثرات.
إضافة إلى القدرة الفائقة على تحويل الألم العاطفي والمادي إلى طاقة دافعة نحو القمة. هذه هي الحقيقة المرّة التي تظهر حين تتهاوى الأحلام فجأة.
الصدمة المالية والخسارة العائلية
تعد مسألة إعلان شركتك الناشئة إفلاسها أمرًا مؤلمًا بحد ذاته ويحمل معه أعباء نفسية ضخمة. لكن كاس ومايك لازيرو يقرّان بأنهما خسرا أصدقاء وعلاقات اجتماعية أيضًا بسبب ذلك الإفلاس. هذه الخسارة المضاعفة تبرز الجانب القاسي من الريادة غير المفهوم للجميع.
بينما في أغسطس عام 2000، وبعد شهرين فقط من إتمام عملية استحواذ ضخمة لشركة التجارة الإلكترونية المنهارة لاحقًا “Chipshot” على مشروع “Golf.com”. وهو تطبيق لتتبع نتائج لعبة الغولف أسسه الزوجان لازيرو مقابل 250 ألف دولار نقدًا و3 ملايين سهم من أسهم “Chipshot”، تلقى مايك مكالمة من الرئيس التنفيذي للشركة المستحوذة.
وفي خضمّ ذلك يقول مايك؛ البالغ من العمر 51 عامًا حاليًا، إن شركة “Chipshot” كانت تتجه بسرعة نحو الإفلاس الرسمي. ما جعل جميع الأسهم التي حصل عليها هو وكاس والمستثمرون الأوائل معهم بلا قيمة تذكر. كانت هذه كارثة مالية لجميع الأطراف.
من جانبها تعبر كاس؛ البالغة من العمر 54 عامًا، عن عمق المأساة لشبكة CNBC Make It: “كان الأمر فظيعًا، اضطررنا للنظر في عيون مستثمرينا الأقربين والاعتراف بأننا فشلنا ببساطة في حماية استثماراتهم”.
خسارة المليون دولار الأولى
لم يقتصر الأمر على خسارة الزوجين لخمسة وعشرين ألف دولار من مدخراتهما الشخصية، بل تضمنت الخسارة المليون دولار الأولى التي جمعاها من العائلة والأصدقاء المقربين، كما تقول كاس.
واضطرّا إلى إخبار “العمّات والأعمام الافتراضيين” والوالدين والأشقاء بأن أموالهم ضاعت تمامًا في الصفقة المنهارة.
كما تضيف كاس أن بعض أفراد عائلتها وأصدقائها لم يكونوا يفهمون جيدًا كيفية عمل التمويل الاستثماري المغامر والمخاطر الكامنة فيه. واضطرها ذلك إلى خوض محادثات محرجة عديدة ومضنية لتوضيح سبب عدم قدرتها على “إعادة المال” إليهم ببساطة كما يظنون.
وتؤكد كاس بقوة: “بالتأكيد خسرنا أصدقاء مقربين”، وتكشف عن الجانب الأكثر قسوة: “رفع أحد أفراد عائلتي دعوى قضائية ضدنا”. هذه الخسارة القانونية والعاطفية تبرز حجم الضرر الاجتماعي.

استرداد المشروع والعودة بصفقة ضخمة
على الرغم من كل الضغوط اشترى كاس ومايك في ذلك الشهر نفسه شركتهما “Golf.com” مرة أخرى مقابل 500 دولار، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”.
فيما كشف القرار الجريء عن إيمانهما العميق بقيمة مشروعهما الأساسية.
وبعد 6 سنوات فقط من استرداد المشروع وإعادة بنائه باع الزوجان شركتهما في صفقة كبرى لشركة “تايم إنك” مقابل 24 مليون دولار، بحسب قولهما.
وتوضح كاس أن بعض المستثمرين الأوائل ترددوا في ضخ المزيد من الأموال في الشركة في المرحلة الثانية. لكن أولئك الذين فعلوا ذلك استعادوا أموالهم الأصلية وربحوا أكثر منها بكثير.
وفي عام 2012 واصل كاس ومايك مسيرتهما بثقة أكبر؛ حيث باعا شركتهما التالية “Buddy Media” لشركة “Salesforce” مقابل 745 مليون دولار. وفي هذا السياق تقول كاس إنهما تمكنا حينها من تأمين التمويل بالكامل من صناديق رأس المال المغامر المتخصصة. ما أراحهما من اللجوء لتمويل الأصدقاء والعائلة.
ولذلك تقدم كاس نصيحتها القاطعة لرواد الأعمال الذين يسعون لجمع الأموال لشركاتهم في المراحل المبكرة: “احرصوا على أن يكون المستثمرون معتمدين. أي لا يمانعون أو يتضررون من خسارة المال في أسوأ الاحتمالات”.


