لم يكن مارتشين إيفينسكي يمتلك رأس مال كبيرًا أو خبرة في صناعة الألعاب عندما بدأ رحلته التجارية، بل انطلق من سوق شعبي في وارسو كان يبيع فيه نسخًا مقرصنة من ألعاب الفيديو، ومع ذلك، لم تتوقف طموحاته عند حدود البيع غير الرسمي؛ إذ اتخذ لاحقًا قرارًا بتأسيس نشاط قانوني لاستيراد الألعاب وتوزيعها، قبل أن يتحول إلى أحد مؤسسي شركة «سي دي بروجكت» التي صنعت لعبة «ذا ويتشر» وحققت حضورًا عالميًا في صناعة الألعاب.
وتقدم تجربة إيفينسكي -وفقًا لما نشرته مجلة فورتشن- نموذجًا لرحلة تجارية شهدت انتقالًا من تجارة بسيطة في سوق محلي إلى تأسيس شركة مدرجة ضمن أكبر الشركات في بورصة وارسو. وتبرز أهمية هذه التجربة في القرارات التي اتخذها المؤسسان، خصوصًا الانتقال من بيع المنتجات المقرصنة إلى بناء نشاط يعتمد على التوزيع القانوني ثم تطوير الألعاب الخاصة بهما.
وتعود بداية القصة إلى السنوات الأولى التي أعقبت تحول بولندا إلى اقتصاد السوق، حين كانت القرصنة جزءًا من المشهد التجاري في البلاد. وخلال دراسته بالمرحلة الثانوية، بدأ إيفينسكي بيع نسخ غير قانونية من ألعاب غربية في أحد أسواق وارسو. وهناك التقى ميخال كيتشينسكي، الذي كان يمارس النشاط نفسه، لتبدأ بينهما شراكة ستتطور لاحقًا إلى مشروع تجاري كبير.
تأسيس شركة قانونية
ولم يكن استمرار الشابين في تجارة النسخ المقرصنة هو المسار الذي اختارا بناء مستقبلهما عليه. بل أدركا وجود فرصة لتقديم الألعاب بطريقة قانونية، رغم انتشار القرصنة آنذاك. وبناءً على ذلك، اتجها إلى استيراد الألعاب من متاجر أمريكية، وأصبحا أول من استورد ألعاب الأقراص المدمجة إلى بولندا. في خطوة أسهمت في تأسيس نشاط تجاري مختلف عن السوق الذي انطلقا منه.
وفي عام 1994، أسس إيفينسكي وكيتشينسكي شركة «سي دي بروجكت» برأس مال بلغ نحو ألفي دولار فقط. ولم تكن انطلاقتهما مدعومة بمقر إداري مكلف أو تجهيزات كبيرة. إذ اتخذا من شقة أحد الأصدقاء مكتبًا للعمل دون دفع إيجار. وهو ما ساعدهما على تقليل النفقات في مرحلة التأسيس والتركيز على بناء علاقات تجارية مع الشركات العاملة في صناعة الألعاب.
وجاء أول اتفاق توزيع رسمي للشركة مع شركة «أمريكان ليزر غيمز» الأمريكية، لتبدأ مرحلة جديدة اعتمدت على استيراد الألعاب وتوزيعها بصورة قانونية. ولم يكن هذا الاتفاق مجرد خطوة تجارية أولى، بل منح الشركة فرصة لاكتساب الخبرة في السوق وفهم احتياجات العملاء وآليات التعامل مع الناشرين والموردين. وهي خبرات استفادت منها لاحقًا عند الانتقال إلى تطوير الألعاب.
تطوير «ذا ويتشر»
بعد سنوات من العمل في توزيع الألعاب، اتجه المؤسسان إلى طموح أكبر يتمثل في إنتاج لعبة خاصة بهما، بدلًا من الاكتفاء بتوزيع منتجات الشركات الأخرى. غير أن هذه الخطوة لم تكن سهلة؛ فقد أقر إيفينسكي بأنهما لم يكونا يعرفان في ذلك الوقت كيفية تطوير لعبة. وهو ما يعكس حجم التحدي الذي قررا خوضه رغم محدودية خبرتهما في هذا المجال.
وفي عام 2002، أنشأ المؤسسان استوديو لتطوير الألعاب في مدينة لودز البولندية، وعملا على إعداد نموذج أولي لمشروعهما. وبعد الانتهاء منه، عرضاه على عدد من الناشرين، لكنهما لم ينجحا في إقناع أي منهم بتبني المشروع. ومع ذلك، لم يؤد هذا الرفض إلى التخلي عن الفكرة، بل واصلا العمل على تطويرها وتحسينها حتى أصبحت جاهزة للإطلاق.
وجاءت النتيجة عام 2007 مع إصدار لعبة «ذا ويتشر»، التي مثلت نقطة تحول مهمة في مسار الشركة. إذ انتقلت «سي دي بروجكت» من نشاط توزيع الألعاب إلى إنتاج أعمالها الخاصة. وبذلك، لم يعد طموح المؤسسين مرتبطًا بتوفير ألعاب الشركات الأخرى للسوق البولندية فقط. بل أصبح قائمًا على تطوير منتجات قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع خارج حدود البلاد.
أكبر شركات بورصة وارسو
واصلت الشركة توسيع حضورها في صناعة الألعاب، وحققت تطورًا في مكانتها التجارية حتى أصبحت جزءًا من سوق المال البولندي. ففي مارس 2018، انضمت «سي دي بروجكت» إلى مؤشر أكبر عشرين شركة في بورصة وارسو. وهو ما عكس حجم التحول الذي شهدته منذ تأسيسها عام 1994 برأس مال محدود ومكتب داخل شقة أحد الأصدقاء.
وتكشف هذه المحطة عن اختلاف طبيعة النشاط الذي بدأت به الشركة عن موقعها اللاحق. فقد انتقلت من استيراد الألعاب وتوزيعها إلى تطوير منتجاتها الخاصة. ثم وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها ضمن الشركات الكبرى المدرجة في السوق المالية. ويعكس هذا التطور أهمية الجمع بين فهم السوق والاستعداد للاستثمار في مجالات جديدة، حتى عندما تتطلب اكتساب مهارات لم تكن متاحة لدى المؤسسين في البداية.
3 دروس في ريادة الأعمال
تقدم تجربة إيفينسكي وكيتشينسكي مجموعة من الدروس المهمة لرواد الأعمال، أولها أن الاحتكاك المباشر بالعملاء يمنح أصحاب المشروعات معرفة عملية باحتياجات السوق وتفضيلات المستهلكين. فخبرة المؤسسين في بيع الألعاب والتعامل مع الجمهور ساعدتهما على فهم طبيعة الطلب، قبل الانتقال إلى نشاط الاستيراد والتوزيع القانوني.
أما الدرس الثاني، فيتعلق بأهمية اختيار نموذج عمل قانوني ومستدام، حتى عندما تكون الطرق غير الرسمية أكثر انتشارًا أو سهولة في البداية. فقد اتجه المؤسسان إلى بناء نشاط تجاري قائم على التوزيع الرسمي. وهو ما أتاح لهما تطوير علاقات مع الشركات والناشرين، وفتح المجال أمام مراحل جديدة من النمو.
ويتمثل الدرس الثالث في عدم السماح بنقص الخبرة أو رفض المستثمرين والناشرين بإيقاف المشروع قبل اختبار فرص نجاحه. فالمؤسسان دخلا مجال تطوير الألعاب دون معرفة مسبقة بكيفية تنفيذ هذه المهمة. كما واجها رفضًا عند عرض النموذج الأولي، لكنهما استمرا حتى أصدرا «ذا ويتشر» عام 2007.


