تتسارع وتيرة التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، ويبرز قلق الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز الظواهر التي تعيد تشكيل علاقة الأجيال الجديدة بالتكنولوجيا وسوق العمل.
هذا المفهوم، الذي بات حاضرًا بقوة في النقاشات الاقتصادية والتقنية، لم يعد مقتصرًا على المخاوف التقليدية من فقدان الوظائف، بل تجاوز ذلك ليعكس قلقًا أعمق مرتبطًا بسرعة التطور، وضغط المواكبة، وإعادة تعريف القيمة البشرية في عصر النماذج الذكية.
وفي صدد ذلك تسلط تصريحات كييارا نيرغين؛ الشريكة المؤسسة والمديرة التقنية لشركة Chima المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التطبيقي، الضوء على زاوية مختلفة لهذا الجدل.
وبحسب كييارا نيرغين فإن الصورة النمطية التي تحصر الجيل Z في استخدام الذكاء الاصطناعي كـ«اختصار» أو «كود غش» تتجاهل تحولًا جذريًا في طريقة التفكير والعمل. وهو تحول يقف قلق الذكاء الاصطناعي في قلبه.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل تصاعد اعتماد المؤسسات على التقنيات الذكية، وتنامي النقاش حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة أم بديلًا كاملًا للعقل البشري.
ومن هنا يبرز السؤال المحوري: كيف يرى الجيل Z الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يختلف قلقه عن مخاوف الأجيال السابقة؟
الذكاء الاصطناعي كلغة أصلية لا أداة
تنطلق رؤية الجيل Z من اعتبار الذكاء الاصطناعي لغة أصلية نشأوا في ظلها، وليس مجرد أداة طارئة يتم تبنيها لاحقًا. هذا الفارق الجوهري يغيّر طريقة التعامل مع التكنولوجيا داخل بيئات العمل والتعليم، ويعيد صياغة مفهوم المهارة والكفاءة.
وبينما ترى أجيال أقدم الذكاء الاصطناعي وسيلة لتحسين الإنتاجية، يتعامل معه الجيل الأصغر كامتداد طبيعي لعملية التفكير.
وفي هذا السياق توضّح كييارا أن العمل لم يعد قائمًا على البدء من الصفر. بل على التعاون المباشر مع «وكلاء» ذكيين يعملون جنبًا إلى جنب الإنسان. هذا التحول لا يعني إلغاء التفكير، بل على العكس، يفتح المجال لإعادة توجيه الجهد الذهني نحو مهام أكثر تعقيدًا وإبداعًا.
وهو ما يضع قلق الذكاء الاصطناعي في إطار مختلف تمامًا عن الخوف التقليدي من التكنولوجيا.
ومن ثم فإن اعتبار هذا الجيل أقل اجتهادًا أو أكثر ميلًا للاختصار يعد، وفق هذا المنظور، تبسيط مخل يتجاهل التغير البنيوي في طبيعة العمل نفسه.
أسطورة الكسل وإعادة تعريف التفكير العميق
ترتبط الانتقادات الموجهة إلى الجيل Z غالبًا بفكرة أن الاعتماد المكثف على نماذج اللغة الكبيرة يضعف التفكير النقدي. غير أن هذا الطرح، بحسب كييارا، يعكس سوء فهم جوهري لطبيعة الاستخدام الذكي للتكنولوجيا. فبدلًا من إلغاء التفكير يتم توظيف الذكاء الاصطناعي لتخفيف العبء المعرفي المتكرر. ما يسمح بالغوص أعمق في التحليل والاستنتاج.
وتوضح هذه الرؤية أن قلق الذكاء الاصطناعي لا يعود إلى الخوف من التفكير، بل من الرغبة في التفكير بشكل أفضل وأكثر كفاءة. فعندما يتولى الذكاء الاصطناعي مهام جمع البيانات أو إعداد التقارير الأولية، يصبح الإنسان أكثر قدرة على التركيز على تفسير النتائج واستشراف تداعياتها. وهو ما يعزز القيمة التحليلية بدلًا من إضعافها.
وبالتالي يتضح أن الجدل حول «الكسل الرقمي» يغفل حقيقة أن عمق التفكير لم يعد مرتبطًا بكمّ الجهد المبذول، بل بنوعية القرارات والاستنتاجات الناتجة عنه.

قلق السرعة والتقادم في عصر النماذج الذكية
بينما يمثل التسارع الهائل في تطور النماذج الذكية أحد أبرز مصادر قلق الذكاء الاصطناعي لدى الجيل Z. فالإدراك بأن التقنيات الحالية، مهما بدت متقدمة، هي في «أسوأ حالاتها» مقارنة بما هو قادم، يولّد شعورًا دائمًا بضرورة اللحاق بالمستقبل قبل أن يصبح الحاضر قديمًا.
في حين تزداد حدة هذا القلق مع كل إصدار جديد قادر على مضاعفة الإنتاجية بما يصل إلى 10 مرات في فترات زمنية قصيرة. هذا الواقع يفرض بيئة عمل شديدة التنافسية؛ حيث يصبح التعلّم المستمر ومواكبة التحديثات شرطًا أساسيًا للبقاء في دائرة الفاعلية المهنية.
ومن هنا يتقاطع قلق الذكاء الاصطناعي مع مفاهيم أوسع مثل: قلق المناخ. إذ يشترك الاثنان في الإحساس بقوة قادمة بسرعة تفوق قدرة البشر على الاستجابة المتوازنة؛ ما يسبب ضغطًا نفسيًا ومعرفيًا متزايدًا.
«الذوق» معيار القيمة البشرية الجديد
ومع تحول الذكاء إلى سلعة رقمية قابلة للأتمتة يطرح الجيل Z سؤالًا مختلفًا: ما الذي يميز الإنسان في عالم تستطيع فيه النماذج الذكية توليد النصوص والأكواد بسرعة ودقة؟ الإجابة، وفق كييارا، تكمن في «الذوق».
فالذوق الإنساني، بما يحمله من فهم للسياق وتجربة المستخدم والبعد الإنساني. يصبح المعيار الحاسم الذي لا تستطيع النماذج محاكاته بالكامل. وفي هذا الإطار لم تعد الدقة التقنية وحدها كافية لضمان نجاح المنتجات، بل بات الحكم الإنساني عنصرًا لا غنى عنه.
وهكذا يتحول قلق الذكاء الاصطناعي من خوف من الاستبدال إلى حافز لإعادة اكتشاف ما يجعل الإنسان فريدًا، سواء في التصميم أو الإبداع أو اتخاذ القرار.
مستقبل العمل بين القلق والتكيف
في المجمل تؤكد هذه التحولات أن قلق الذكاء الاصطناعي ليس ظاهرة سلبية بالضرورة. بل قد يكون إشارة على وعي عميق بحجم التغيير القادم. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في وجود الذكاء الاصطناعي، بل بالقدرة على التكيف معه وتوظيفه بوعي ومسؤولية.
بينما مع تصاعد الاعتماد على النماذج الذكية في مختلف القطاعات. يظل التوازن بين الكفاءة التقنية والقيمة الإنسانية هو الرهان الأكبر. وفي هذا السياق يبدو أن الجيل Z لا يهرب من هذا التحدي، بل يواجهه بقلق واعٍ، قد يكون المفتاح الحقيقي لصياغة مستقبل العمل في العصر الرقمي.


