يشهد عالم التكنولوجيا موجة جديدة من الابتكار يقودها شباب في مقتبل العمر، ويبرز من بينهم الشاب الأمريكي زاك يادغاري -البالغ من العمر 18 عامًا- والذي تمكن من تحويل مهارته المبكرة في البرمجة إلى مشروع رقمي ضخم يجذب اهتمام الملايين.
استطاع هذا الشاب الطموح أن ينتقل من مقاعد الدراسة الثانوية إلى موقع القيادة في واحدة من أسرع شركات التطبيقات نموًا. مستندًا إلى رؤية واضحة وشغف حقيقي بعالم التقنية.
ولعل النجاح غير المسبوق لتطبيقه Cal AI يعكس مدى التحول العميق الذي يشهده قطاع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن.
وتؤكد وثائق راجعتها قناة CNBC Make It أن التطبيق، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الطعام وتقدير السعرات الحرارية بدقة تصل إلى 90%، يحقق ما يقرب من 1.4 مليون دولار شهريًا كربح إجمالي بعد احتساب عمولات متاجر التطبيقات.
ولا يقتصر الأمر على العائدات المالية فقط. إذ بات التطبيق، الذي أُطلق في مايو 2024، واحدًا من أسرع تطبيقات الصحة الرقمية انتشارًا على الإطلاق.
وبينما يستعد زاك يادغاري لمتابعة دراسته الجامعية فإنه يبدو أكثر اقتناعًا بأن مستقبله الحقيقي يكمن في ريادة الأعمال، لا في الحياة الأكاديمية. ويرى كثيرون أن قصته تجسد التحول الجديد الذي يجعل من ريادة الأعمال الرقمية مسارًا بديلًا للشباب الموهوبين الباحثين عن فرص سريعة للنمو والتميز.

البدايات المبكرة
لم يبدأ نجاح زاك من فراغ، بل يعود إلى سن السابعة عندما شجعته والدته على الالتحاق بمخيم صيفي لتعلم البرمجة. ومن هذه الخطوة بدأت رحلته في عالم التقنية؛ حيث انغمس في متابعة دروس يوتيوب لساعات طويلة. وتواصل مع مبرمجين محترفين للحصول على النصائح والتوجيهات. وهكذا تبلورت خبرته تدريجيًا؛ لتصبح أساسًا صلبًا لمشاريعه المستقبلية.
وبعد سنوات قليلة خطا خطوة نوعية عندما أسس موقع الألعاب المعروف Totally Science الذي مكّن آلاف الطلاب من تجاوز القيود المفروضة على شبكات المدارس ولعب ألعابهم المفضلة بسهولة.
وشكّل هذا المشروع تجربته الريادية الأولى، قبل أن يبيع الموقع مقابل حوالي 100 ألف دولار لصالح شركة الألعاب Freeze Nova. وهو ما عزز ثقته بقدراته ووضعه في المسار الصحيح نحو مشاريع أكبر وأكثر تأثيرًا.
وما إن انتقل إلى المرحلة الثانوية حتى بدأ يفكر في تطوير تطبيق محمول يمكنه الوصول إلى شريحة واسعة من المستخدمين، نظرًا لوجود الهواتف الذكية في أيدي الجميع. وبعد سلسلة من الأفكار غير الموفقة قرر التركيز على حل مشكلة يواجهها شخصيًا، وهي العناء المرتبط بإدخال الطعام يدويًا لتتبّع السعرات الحرارية. ليبدأ حينها العمل على التطبيق الذي يغير مسار حياته بالكامل.
تأسيس «Cal AI»
انبثقت فكرة التطبيق عندما بدأ زاك يمارس التمارين الرياضية بهدف تحسين لياقته البدنية وإبهار زميلاته في المدرسة. لكنه وجد أن جميع تطبيقات تتبع السعرات تتطلب إدخال البيانات يدويًا، وهو ما جعله يبحث عن وسيلة أكثر ذكاءً وفعالية.
وهنا اقترح على صديقه القديم هنري لانغماك، إضافة إلى صديقين تعرف عليهما عبر منصة X. وهما: بليك أندرسون وجيك كاستيلو، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي يستطيع تحليل صور الطعام بدقة وسرعة.
وبجهود مشتركة بدأ الفريق العمل على التطبيق، بينما تولى زاك ولانغماك كتابة الأكواد. في حين ركز الآخران على تطوير النموذج وتوسيع قاعدة البيانات. وبعد إطلاق حملة تسويقية تجريبية بقيمة 2000 دولار جاءت النتائج مبشرة بما يكفي لدفع المؤسسين إلى تمويل المشروع ذاتيًا لمدة ستة أشهر. إلى أن بدأت أرباح التطبيق بالتدفق.
ومنذ الشهر الأول أثبت التطبيق إمكاناته بتحقيق 28 ألف دولار، ثم قفزت الإيرادات في الشهر التالي إلى 115 ألف دولار. ما دفع الفريق إلى توسيع نطاق العمل عبر توظيف فريق مكوّن من 30 موظفًا، وتطوير خطط طموحة للانتشار العالمي.
نجاح مالي مذهل
وعلى الرغم من أن فكرة التطبيق تبدو بسيطة فإن إدارة مثل هذا المشروع تتطلب جهدًا استثنائيًا، لا سيما مع التكاليف التشغيلية الضخمة التي تتحملها الشركة. فوفقًا للأرقام يبلغ إنفاق Cal AI على الإعلانات والتسويق وحدهما نحو 770 ألف دولار شهريًا، إضافة إلى نفقات الرواتب والخدمات القانونية والمحاسبية وتكاليف البرمجيات.
وبينما يجني المؤسسون أرباحًا دورية، بينها دفعة قدرها 100 ألف دولار حصل عليها زاك مؤخرًا. فإن الشركة تحتاج باستمرار إلى الحفاظ على تقييمات جيدة في متجري آبل وجوجل بلاي. الأمر الذي يتطلب تحسينات مستمرة للتطبيق وتطوير ميزات جديدة تلبي توقعات المستخدمين.
ومع ذلك.يواجه التطبيق تحديات تتعلق بالدقة؛ إذ لا يزال المستخدمون بحاجة إلى تصحيح بعض البيانات أو إدخال تفاصيل إضافية، وهو ما يعترف به زاك بصراحة.
بينما يؤكد أن البعض لديه توقعات مبالغ فيها عن قدرات الذكاء الاصطناعي. معتقدين أنه قادر على رؤية ما يختبئ في قاع الطبق، وهو ما لا يمكن تحقيقه تقنيًا.

مستقبل طموح ورؤية تمتد لسنوات
ورغم المسؤوليات الكبيرة التي يتحملها يطمح زاك إلى أن يصبح تطبيقه أكبر منصة عالمية لتتبع السعرات الحرارية. متجاوزًا تطبيق MyFitnessPal الذي يضم أكثر من 270 مليون مستخدم. وحتى يوليو 2024 وصل عدد تنزيلات التطبيق إلى 8.3 مليون عملية تنزيل، وهو رقم ضخم لتطبيق لم يمضِ على إطلاقه سوى أشهر قليلة.
ويرى أن أهم ما يميز تجربته هو أنها فتحت أمامه أبوابًا كثيرة، لكنها في الوقت نفسه جعلته أكثر إدراكًا لأهمية العمل الجاد والانضباط. كما يشدد على أن إدارة شركة تضم موظفين بالغين يعيلون أسرهم تعد مسؤولية كبرى لا يمكنه تجاهلها أو التقليل من شأنها.
ومع ذلك يخطط زاك يادغاري للتخلي عن إدارة التطبيق بعد عامين فقط، إما ببيعه أو بتعيين رئيس تنفيذي جديد، حتى يتمكن من إطلاق مشروع جديد يرتبط بالذكاء الاصطناعي. وكما يقول فإن طموحه يمتد ليجعل من ابتكاراته المستقبلية جزءًا مؤثرًا في تشكيل مستقبل التكنولوجيا، وإرثًا يفتخر به لاحقًا.


